................
رشيد (فوزي) مصباح
...............
رسالة من داخل السّجن
ـــــــــــــــ
بقلم: رشيد (فوزي) مصباح
ــــــــــــــ
الجزء الثّاني
(5)
أن تستيقظ باكرا وتعثر على مكان في بيت الخلاء فاعلم أنّك محظوظ وأن والديك راضين عنك أشدّ الرّضا.
لايحسّ بقيمة النّعمة إلاّ من خسرها ا
قلّة قليلة من المساجين تصلّي وتقرأ القرآن وأما البقيّة فيمضون الأوقات في فضول الكلام وكثرة التّدخين والضوضاء والصراخ والضّجيج... إلى أن يحين موعد النّوم وتُعطى الإشارة الضّوئية فيستسلمون كفئران المختبر ويخرسون كمن في القبور، فلا تسمع لهم بعد ذلك لاغية.
نحن في شهر جانفي من سنة ألفين، بمعنى أنّنا في فصل الشّتاء، موسم اللّيالي الطّوال. وأذان الفجر في طلوع النّهار، يعني على السادسة صباحا أو يزيد، والإنسان عموما لا يحتاج للنّوم لأكثر من ثماني ساعات. اللّهم إلاّ إذا كان من بعض هؤلاء المساجين الذين كما قيل الشّاعر في أمثالهم: [دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ ** وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ] وجدوا في التّبغ ملاذا مثاليّا لنسيان همومهم وأتراحهم. خاصّة إذا ما تم تشييع السّجائر بفناجين قهوة معصورة كقطران الفحم الأسود.
أما الوضوء ففي بيت الخلاء، هذا إن عُثر على ماء و بقي منه بعد الاستنجاء؛ ما دفعني أحيانا إلى التيمّم على الحائط.
لكلّ سجين مكان ينام فيه لا يتجاوز عرضه شبرين في أحسن الأحوال. ولا سبيل للبحث عن مكان للصّلاة لأنّك لن تجده، خاصّة صلاة العتمتين حين يكون هؤلاء ممدّدين وتكون الصّالة كعلبة سردين.
الشيء الوحيد المميّز عند طلوع النّهار هو الهدوء، الذي يسبق العاصفة، ثم لا يلبث هذا الهدوء أن يتحوّل إلى غوغاء.
أوّل شيء فكّرتُ فيه بعد غلق السجّان لباب الزنزانة ورائي هو القلم. فالقلم مهنتي، فأنا أمين عام بامتياز، و"كاتب عام" بالعاميّة؛ وصاحب هذه المهنة هوايته كتابة التقارير الخطيرة والسرّيّة، وممارسة التّزوير؛ تزوير محاضر الجلسات مثلا. أو نتائج الانتخابات في بعض الأحيان. وقد تعمّد المشرّع الجزائري تهميش الكاتب العام أو الأمين العام فلم يرد ذكره صراحة إلا في بعض النّصوص التطبيقية، حتّى يبقي " دين يمّاه " تحت حذاء رئيس المجلس الشعبي البلدي، والذي ليس له دراية لا بالأمور الإدارية ولا بخبايا التسيير. مهنة بائسة وصاحبها مشبوه.
لكن حاجتي إلى القلم هذه المرّة ليس لأجل كتابة التقارير كما جرت العادة ولا لتزوير شيء من الأشياء، وإنما رأيتُ في القلم صورة الصديق المخلص الوفيّ، رفيق الدّرب والمشوار.
ثم تفقّدتُ كتاب الله، فوجدتُ واحدا على الرفوف المغبرّة فأزلتُ عنه الغبار. ولطالما شغلتنا أنفسنا المريضة بحبّ الدّنيا الرّخيصة عن تدبّر القرآن وتأمّل معانيه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق