الاثنين، 6 يوليو 2020

..............
 فردوس المذبوح
...........


*رياح الندم*
الريح تزأر في الخارج كلبؤة شرسة وتعبث بالأشجار بكل عنف...زئيرها يشبه آهاتها في لحظات ألمها ..أسدلت جفنيها بعد أن شخصت طويلا إلى قطرات المحلول المتعاقبة التي تتسرب في تؤدة إلى وريدها..تدافعت أمام مخيلتها صور مما تختزنه في أعماق ذاكرتها ..بدت لها صور قاتمة تبرز من وراء لجة من الضباب ..انتابها شعور بالمرارة والندم وثار في نفسها بركان من الآهات ..ليت لها من الزمن ردهة تكفر فيها عن أخطاء الماضي..تهاوى كبرياؤها عندما فتحت عينيها وصكت أذنيها أصوات مكتومة مشفقة ..تسللت على خدها دمعة ملتمعة غافلت جفنها ..حاولت مسحها بيدها فما استطاعت ..توالى الدمع يغمر وجنتيها أحست كأن روحها ستنسكب من عينيها..اقتربت منها يد تجفف دمعها ..ومثل أمامها وجه صديقتها زهرة ..تذكرت كيف كانت سببا في طلاقها من زوجها ..كيف أججت نار الخلاف بينهما وزينت لكل منهما نعيم الحياة بعيدا عن الآخر..لم ترحم دموع ابنيهما ..ولا حمم القهر التي زحفت على نفسيهما ..كانت تستلذ هوة القطيعة التي تراها تزداد اتساعا وعمقا كل يوم..تبا لغيرتها التي كانت وحشا ضاريا..
شعرت أنها تتأرجح في مهب ندمها كنباتات متدلية تعبث بها ريح عاتية..هذه الضحية الأولى لشرورها ..اشرأبت بعينيها رأت أختيها ..كانتا منكفئتين على نفسيهما في استسلام..هاجمتها الذكرى في ضراوة واسترسلت مشاعرها تفجر تلك البراكين المتخفية في ذاتها ..كانت قد حملت على كاهلها عقودا من حياتها المتهالكة دون ان تظفر بزوج يؤثث أيامها الرتيبة فأوعزت لأبيها المريض بأن يهبها ببيع صوري كل ممتلكاته خفية عنهما بعد أن صدحت على مسامعه بمواويل المستقبل المجهول الذي ينتظرها بعده ..الى أن رضخ إلى مشيئتها ..ووشحت غنيمتها بعداوة وقطيعة مع أختيها وسيول من دعاء الشر والضغينة ...
أصبح الشعور بالذنب يؤلمها اكثر من آلام جسدها رغم أن ايدي الزمن قد أصلحت ما أفسدته ..فهاهي صديقتها قد استانفت حياتها مع زوجها بعد سنوات الفراق..وها أن أختيها ستسترجعان ما نهب منهما غدرا بعد وفاتها ..استغرقت في خيالاتها التي سافرت بها الى ضفة نهر جار ينصب فيه شلال هادر ينثر عليها رذاذه..جعلت تغترف ماءه بكفيها وتبترد به..أحست بانتعاش كبير يثلج ما يعتمل في ذاتها من أحاسيس حركت عينيها مبتهلة : "رباه هل سأقف على ضفاف غفرانك وتثلج صدري بكرم عفوك؟...أنك غفور رحيم..."
اشتد بها السعال وازداد ضيق صدرها فتحت عينيها لتجد صديقتها علياء تكمد جبينها ووجنتيها ببعض الماء المثلج ..أرسلت زفرة عميقة وتزاحمت الأفكار والهواجس تباعا أمام مخيلتها ...لقد كتبت قبل أن تتأزم حالتها رسائل اعتذار عن كل ذنوبها وسلمتها لعلياء ..لكنها طلبت منها تسليمها الى أصحابها بعد وفاتها...قطع عليها سيل أفكارها صوت صديقتها وهي تخاطبها بصوت خافت :
--سعاد..لقد رأيت في أعينهم دموع الألم والحسرة فارتأيت أن تعايني نسائم العفو ترفرف حولك وانت على قيد الحياة ...
أغمضت عينيها في راحة واستكانة وزمت شفتيها وقد تدحرجت على جانبي عينيها دموع وجدانية اللحظة..تسارعت حشرجة أنفاسها وتباطأت نبضاتها..أحست بحركة دؤوب في غرفتها وأصوات جزع وخوف ..مرت قرابة الساعة وهي على تلك الحالةإلى أن شعرت بأن الضوء الذي حولها قد بدأ في التناقص ..كان جسدها يختلج وروحها تنسلخ عنه تدريجيا..اختفت من امام ناظريها كل الصور ولم يبق إلا ذلك النفق المظلم الذي شرعت في السير الى أعماقه..بدأت تبتعد مولية ظهرها لصخب الاصوات التي أحاطت بجسدها إلى ان اختفت في الظلمة الحالكة .

بقلمي : فردوس المذبوح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق