.................
Rabab Bader
..............

الّرّحيل
نظرتْ في عينيّ بحزن شديد وبحزم قالت : ماما ,لن أعود إلى هنا مطلقا !
_ وأنا ؟
_ لماذا عليّ دائما أن أبدأ من جديد ؟ ستتركين عملك وتأتين إليّ !
_ وماذا سأعمل هناك ؟
_ تعلّمين الإنكليزية كما تفعلين هنا , لن نعدم وسيلة لإيجاد عمل لك !
_ ولكن ....!
_ ولكن ماذا ؟ لا يوجد سبب يجعلك تتمسكين بالبقاء هنا ! ماما .. أخبرتك أنني لا أستطيع العودة للتعليم في الجّامعة ..ضحكتْ بتهكم وتابعت ..أخجل أن أسمّيها جامعة . سأختنق وأموت إن عّدتّ , لم أعتد جو الدّسائس .. والمكائد لم تعد تلك الجامعة التي كان الجميع يحدثني عنها ..لقد أصبحت مافيا يا أمي .غصّت بالبكاء ثمّ زمّت فمها خجلة من ضعفها وتابعت مصرّة ستأتي فأنا لا يطيب لي العيش بدونك .
انهمرت دموعي غزيرة تغسل وجهي المتعب فانا لم يغمض لي جفن منذ أيام ,أعدّ بعض المأكولات التي تحبّها حبيبتي وعندما أضع رأسي على الوسادة أتذكر شيئا آخر فأنهض مسرعة لأسجّلّه قبل أن أنساه ثم أتذكر أن موعد سفرها قد اقترب فتنهمر دموعي وأخنق نشيجي كي لا أزعجها وما أن يزورني الكرى حتى يرتفع الآذان من المسجد القريب فانهض على عجل إذ أصبحت لا أفوّت فرضا منذ تقرر السّفر!
أيقظني صوتها من أفكاري قائلة : سأودعك الآن إذ لا يسمح لك بالدخول أبعد من ذلك .. سنقوم ببعض الإجراءات ومن ثم ننتظر فتح بوابة الصعود إلى الطّائرة ,سأتصل بك فور وصولي إلى المدينة التي سأبدأ دورة اللغة فيها . ضممتّها إلى صدري وشعرت بقلبي يتقلص وينقبض واجتاحني إحساس أنني لن أراها ثانية ,امتزجت دموعي بدموعها ثم تملصتْ من ذراعيّ متقدمة بثبات وثقة تثير الإعجاب وقبل أن تغيب عن ناظري التفتت مبتسمة وهي ترمي لي بقبلاتها . وهنا تقدم أحمد زميلها الرائع الذي كان يقف جانبا ليفسح لنا مجالاً للكلام والذي كلفته بمرافقتي بعد سفرها , أحاط كتفي بذراعيه وخرجنا إلى السيارة .عدنا إلى الشقّة التي كانت تعيش فيها مع صديقتها أثناء تعيينهم في جامعة دمشق كمعيدتين ..لملمتُ ما تركته من حوائج وخرجتُ .كان أحمد ينتظرني في السيّارة فانطلقنا إلى محطة الباصات كتب لي رقم هاتفه إذ ربما احتجته للسؤال عن شيء ولم يتركني حتى انطلق الباص . وصلت اللاذقية ودلفت إلى بيتي .فتحت التلفاز ورأيت جموع المتظاهرين قد ملأت بعض شوارع دمشق فحمدت الله على سفرها وكفكفت دموعي مصممة على عدم البكاء فقد قيل انه يجلب الشؤم . في الصباح الباكر رنّ الهاتف فركضت أتاني صوتها كالموسيقا ,أخبرتني أنها وصلت وهي الآن مع السيدة كارين صاحبة المنزل وستلتحق بدورة اللغة في الصباح التالي , كانت أخبارها البلسم لروحي . نفضتّ عني الحزن وتابعت عملي كمدرسة فكانت محبة طلابي وطالباتي تبهج قلبي وتزيدني حماسا وعطاء .مرّت الشهور الستّة ببطء شديد إذ كانت الاضطرابات قد ازدادت حدّة و تعقيداً فالبلد يتأرجح فوق بركان, الصدامات بين الأطراف قد تصاعدت في دمشق . كانت ابنتي تتصل دائما وتطلب مني الاستقالة واللحاق بها قبل أن يغلق المطار ويتعذر عليّ السفر . فعلا قدّمتّ استقالتي وتهيأت للسفر خلال أيام قليلة . ودعت صديقاتي وبعض أقربائي وانطلقت إلى دمشق في طريقي إلى المطار مباشرة . كان دوي القذائف يصمّ الآذان وحواجز كثيرة وتفتيش وكنّا قد اقتربنا من المطار أربعة ركّاب في سيارة أجرة وفجأة دوى صوت وسقطت قذيفة على مقدمة السيارة فاشتعلت ملتهبة ,تدحرجنا من السيارة محاولين الابتعاد عن اللهب لكن شيئا حادّا مؤلما انغرز في صدري فأسرعت أستحضر وجه حبيبتي .. رأيتها نعم هذا وجهها الجميل ,عيناها البنيتان اللوزيتان وشعرها الطويل , قامتها المنتصبة ..تبتسم منادية ماما تعالي , مددتّ يدي لأمسك يدها لكنني رأيت يدي تطير في الفضاء ! !
@ Rabab Bader
April 1st / 2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق