الأحد، 5 أبريل 2020

..................
جرجس لفلوف سورية
***************



أخر ايام بيروت......(فراق واغتراب)
كنت في الرابعة عشر من عمري عندما اغتربت إلى بيروت للعمل صيفا لتأمين أقساط المدرسة
قادني عمي اللذي يعمل هناك إلى مكان عمل لي واستقبلتنا إمرأة على مدخل قصر تحيط به حديقة كبيرة تنظر إليها فترى غابة مليئة بالاشجار ونباتات الزينة ومصاطب لزراعة الخضار ومسبح كبير تحيط به اماكن لجلوس الزوار
نظرت ألى المرأة وتوقعت أن عمرها قد لا يتجاوز العقد الرابع
طويلة بيضاء الوجه مبتسمة تسير وكأنها تسبح في الهواء توحي بالذكاء والطيبة يطمئنك كلامها برقته تنطقه كالهمس .اوصلتنا إلى المسبح وأشارت إلى الحديقة وثلاث عمال فيها وقالت..مهمتك الإشراف على الحديقة وعمل العمال وتنفيذ كل ما يلزم لتبقىالحديقة كالجنة وافهمتني كل ما يتعلق بعملي ومسؤولياتي واوصتني بان اكون صادقا مع نفسي اولا ومعها ثانيا وان اكون حدائقيا مجتهدا أمينا وتركتني وذهبت مسرعة وكأنها تذكرت شيئا كانت قد نسته
أمضيت أسبوعا لم تقترب مني ولم تكلمني .كنت اراها تتنره بين المصاطب وعلى رصيف المسبح وتجلس أحيانا و تتناول قهوتها الصباحية بمفردها تنظر إلي نظرة فاحصة غامضة تخيفني حينا وحينا لا اعرف ماذا تعني نظرتها وشعرت انها كانت تراقبني وسألت نفسي ماذا تريد مني هذه المخلوقة.مر الأسبوع لم تكلمني ولم يأتي أحد لزيارتها تخرج بعد الصباحية ولا أعلم متى تعود .فهمت من العمال انها من عائلة عريقة وهذا القصر ملك لها وتعيش فيه لوحدها مع كلبها وخادمها
يوم السبت نهاية الأسبوع لم تغادر كعادتها وعند الظهيرة نادتني باسمي فذهبت إليها. قادتني إلى القصر دون كلام وعلى المدخل أردت أن اخلع حذائي منعتني وقالت نظفه وادخل وفي الداخل اجلستني على كرسي في ركن صالون كبير ملئ بالطنافس والمقاعد المرتبة على جدرانه اللوحات الفنية معلقة بإتقان وصور لأفراد العائلة وكثير من التحف والمزهريات مركونة في الخزن والكومودينات وبعد أن قدم الخادم الشاي بدأت حديثها
..اعلمني عمك انك تحمل شهادة البرو فيه
...نعم هذا صحيح
...إلا تريد إكمال تعليمك
...نعم ساكمل وما وجودي هنا الا لتأمين أقساط الدراسة
....كلمني عن عائلتك وعن أحلامك للمستقبل.
أخبرتها كل شئ وأملي أن أكمل تعليمي وتامين مستقبلي عندها قالت
...فكرت طويلا وناقشت الأمر مع نفسي وانا وحيدة كنت متزوجة وترملت دون اولاد املاكي كبيرة هنا وفي امريكا واتمنى ان تكون ابنا لي اتبناك شرعا وتعيش معي وترث اموالي واملاكي لا تستغرب انا معتادة على طرح رغباتي بهذه البساطة ومعك وقت للتفكير واتخاذ قرارك ثم انقدتني اجرتي الأسبوعية وتركتني مشلول التفكير غائب عن الوعي
خرجت من عندها. لم أخبر أحدا وامضيت عطلة الأحد مشتت الفكر اتأرجح بين الغوص في بحر من السعادة أو الغوص في مستنقع من الوهم والخيال وسألت لماذا أنا.? الأني فقير تريد شرائي كعبد تحت راية التبني ام انها فعلا تريد مساعدتي.? وكلما جاءني جواب ولد من صلبه سؤال وهكذا لم أتمكن من الوصول إلى قرار نهائي
عدت إلىالعمل وكان التعامل مختلفا في هذا الأسبوع عند وصولي نجلس على رصيف المسبح للإفطار وعند الظهر في القصر للغداء وفي نهاية الأسبوع سألتني عن قراري
قلت لها سأذهب الى اهلي اسألهم ثم أبلغك جوابي أما بعودتي أو بالهاتف
بعد اسبوعين عشتهما بجانب هذه المرأة من اجمل ما قضيته في حياتي ودعتها وانا مقتنع بالفكرة دون أن اخبرها وعدت إلى قريتي بعد أن ودعتني بقبلة كام تودع ابنها وكنت قد قررت أن لا أعود إليها خوفا من الإغتراب وفراق الأهل ومن المستقبل فهي لاعبة قمار وتمضي أكثر وقتها في الكازينو فقد تخسر أموالها هناك وانا لا أتمكن من منعها عن ممارسة هذه العادة واتصلت معها هاتفيا وأبلغتها بذلك دون أن اخبر أحدا بهذه الحكاية
هذه الحكاية ليست من نسج الخيال بل هي حقيقية يعرفها اثنان .ابن عمي رحمه الله كنت اناقش الأمر معه
وآخر صديق لبناني قصتها هي عليه بعد عشرين عاما التقيت معها في بيته عندما عدت إلى بيروت حيث كنت ذاهبا لزيارته وفوجئت بوجودها عنده كما فوجئت هي بحضوري وقد أخذتني بحضنها وقبلتني وبدأت بالبكاء وأخذت تحكي قصتنا وتتذكر تلك الأيام وقد فهمت انها خسرت كل أموالها وهي تعيش في بيت استأجرته
لا تستغربوا أصدقائي الحياة خيال والعمر رحلة في فضاء الحياة الحياة مدرسة من لا يتعلم منها يموت جاهلا الحياة .تصادفكم مواقف لم تتوقعونها وينتج عنها نتائج قد تكون ذا تأثير قوي على مسيرة حياتكم وعندما تعودون لذكراها قد لا تصدقون انها حدثت فعلا
جرجس لفلوف سورية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق