.....................
ربيع دهام
................
( رحلة إلى الوطن العربي / ربيع دهام )
" بماذا أخدمك؟".
" أريد تذكرة سفر".
"إلى أين؟"، سألتني.
"إلى الوطن العربي. وبغضون أسبوع لو سمحتِ".
" لا فرق. المهم أن أصل بسلام"، قلتُها وضحكتُ.
اصطدمت ضحكتي بوجهها الصخري العبوس فتناثرت وارتدت عليّ شراراتها.
حنيت رأسي كي أتجنبْ الاصطدام. فشلتُ.
اختلط حنقُها بدعابتي. وجدتُ نفسي كالحمار الوحشي، لا أدرك إن كنت أبيض البشرة، وألبس خطوط السوادِ،
أو أسود البشرة، أزيّن نفسي بالبياضِ.
بأصابعها التي تشبه أنياب الليث، راحت تنقر على لوحة المفاتيح أمامها حتى كادت تمزّقها.
حدّقت في الشاشة. انتظرتْ دقيقةً. ثم صاحت:
" الخطوط الجوية الأكروباتية. إز إت أوكي؟".
"يِس يِس أوكي"، أومأت برأسي موافقاً.
وبعد ثوانٍ معدودات سألتها:
"عفواً. لكن متى نصل مطار الوطن العربي؟".
وكأن ماس كهربائي أصابها، أو كأنني ذلك الذئب الذي يحيك خطة لاصطياد أولادها، تفرّست في وجهي وزأرت:
" مطار؟! أي مطار؟! ".
تراجعتُ للخف خطوتين.
تلعثمتُ في خوفي : " ننــ....نعم. أ...أقصد متى تهبط الطائرة؟ أ..أية سـ.. س...ساعة؟".
نزعتْ عن وجهها نظّاراتها. رمتها بعنفٍ إلى جانب لوحة المفاتيح المحطّمة نفسياً وجسدياً.
ثم رمقتني مرة أخرى وصاحت:
" لا وجود لمطار هناك!".
"نعم؟!"، صرختُ.
ثم استدركتُ. تراجعتُ ثلاث خطوات إلى الوراء. ركنتُ ناظري في الأرض وهمستُ: "عفواً ... أقصد نعم؟".
انتصبتْ على قدميها.
اقتربتْ مني. مدّت يدها اليمنى. شمطت بها أذني اليسرى،
وهدرت: " لا لزوم لمدارج هبوط عندكم في الوطن العربي هناك".
حاولتُ أن أحرّر أذني من أصابعها. فشلتُ.
استجمعتُ كل شجاعتي كي أسألها لماذا ، ونجحتُ.
بعدها، وجدتُ نفسي أطير من داخل المكتب، عبر الزجاج المتناثر، إلى خارج الطريق، لكني استطعت، وقبل ارتطامي بالأرض، أن أسمع صوتها المهيب يقول:
" منذ ألفي سنة والوطن العربي دائم العيش في السماوات. لا يغط على أرضٍ. لا يركن على غصن شجرة. لا يشرب من ساقية. لا يرقد في واحة سلام. دائم التقاتل على ما فوق الغيوم. دائماً العيش بين النجوم. تتقاتل في أحشائه الآيات. ورجال دين وجنرالات. يحكمون عقولكم بالصبّاط".
ثم رأيتها تلحقني إلى خارج المحل، وبقدمها اليسرى تركلني.
نجلس القرفصاء وتمد يدها إلى عنقي. تصرخ بوجهي، أنا المنطرح أرضاً :
" قل لي. ما حاجتكم لمطار هبوط هناك؟ ما حاجتكم؟".
فجأةً صمتت. أفلتت من يدها رقبتي. ثم عادت إلى المكتب. جلست خلفه. أسندت رأسها على المنضدة. خبأته. وأكاد لا أصدق بعدها ما سمعت.
كانت هذه اللبوة العنيفة القاسية القوية، تبكي مثل الأطفال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق