السبت، 2 يوليو 2022

 ....................

ربيع دهام

.................



(قصة قصيرة / أحمد والصباط / ربيع دهام )
هناك في إحدى المطارات يوجد عامل تنظيفات إسمه أحمد.
أحمد مسؤولا ً عن نظافة الحمّامات. وكان
وشأنه شأن كل عمّال التنظيفات، كان فقير المال.
ومثل كل مطارات العالم، كانت الحمّامات تعجّ بالوافدين والخارجين.
صباط داخل وصباط خارج.
صباط يسير بتمعن أمام المرآة الصابرة، وصباط مسرع إلى كرسي التفريغ والإعتراف.
صباط يلمع ويبرق من النظافة الزائدة، وصباط لئيم لا يكترث حتى للفردة الأخرى.
صباط ذو ربطات تعقد إجتماعاً فيما بينها، وصباط ذو ربطات متناثرة متخاصمة.
وحده أحمد كان يقف هناك.
ينظر إلى عجقة الصبابيط المزدحمة. يراها تتوافد وتخرج. ثم يقوم بإزالة معالم الجرائم التي ترتكبها تلك الصبابيط بحق الرخام.
طبعاً لا أحد يسأل عن أحمد . لا عن إسمه، ولا عن عمله.
هل لديه زوجة؟ أو أخوة أو أولاد؟ هل عنده صديق؟ من أي بلدٍ هو؟
لا أحد. بل أن لا أحدا ً شكره يوما ً على العمل الكبير الذي يقوم به.
الذين يُــشْكَــرُون عادة هم المهندمون الأنيقون الذين يقومون بقطع التذاكر لنا من وراءم مكاتبهم.
أو المرشِدون الذين يقدمون التوجيهات الضرورية لنا ، متنى أضعنا طريق البوابة التي توصلنا إلى الطائرة المقصودة.
أو هؤلاء الذين ندفع لهم بدل قميصٍ أو علبة كولونيا اشتريناها من متجر ما في المطار.
أما أحمد، فإن أحدا ً لا يشكره لأنه....
لأنه مجرّد ... عامل تنظيفات.
وتقبل الأيام، مثل الصبابيط، على رخام أجسادنا، وتمر ، وأحمد لم يزل هناك. في الحمــّامات، مرتديا القفازات.
ثم حدث في أحد الأيام أن دخل واحد من الرجال الكبار من سياسيي بلادنا.
وكان مسافرا ً عبر المطار إلى إحدى الدول الديمقراطية ليطلب مساعدة رجال أعمال دولتها العميقة في أمر مهم.
ولأن الأرض كانت نظيفة جدا ً، كما العادة، بفضل وفاء أحمد وإخلاصه
للعمل ، انزلق "صباط" هذا المسؤول الكبير ، وسقط سهواً فوق الأرض.
فسقط معه المُنتعل الكبير. سقط هو والصباط.
ولما رآه احمد هرع مسرعا ً لمساعدته على النهوض.
ولكن الرجل الزعيم صرخ بوجهه مبعده عنه. ثم قام بشتمه ولكمه فوق رخام الحمــّام.
أحمد، ذاك العامِل المغترب، الفقير المال، مع دمعته العنيدة التي ما برحت تسكن عيناه منذ ذلك النهار الذي ترك فيه أرض الوطن هربا ً من الحرب و من أمرائها، ومن الطبقة الحاكمة الغنية ونبلائها، شعر وكأن نهراً من دموع الكون لن يشفي الآن غليله.
تلعثم في حزنه الدفين من هول الضربات والشتائم التي وجهها إليه هذا السياسي الكبير.
وماذا عساه يفعل؟
جسده ضعيف من كثرة الجوع ، وجبينه منحني من كثرة الإغتراب ،
وعيناه غارقتان في دموع تريد كل يوم أن تتساقط.
لكنها تتساقط هباءً على أرض بور.
.ذهب أحمد إلى مسؤول الأمن في المطار ليبلغه بالامر
فتدخل مسؤول الأمن لصالح السياسي طبعاً ، وحسم من راتب أحمد الشهري، بعد أن وبّخه أمام المسؤول الكبير.
وكل ما في الموضوع، كما عرف أحمد لاحقا ً، أن هذا السياسي، ومع أحد وزراء البلد الديمقراطي، كانا قد عقدا صفقة تجارية ضخمة في أرض الوطن، يعود ريعها لأصحاب محلات وسط تجاري ما.
ولأن مصلحة "الوطن" فوق مصلحة الجميع، فمن تهمه مصلحة أحمد ؟
ومصلحة أحمد بالذات ؟
أحمد عامل التنظيفات.
أحمد الذي تجرّأ وأهان صبّاط.
ومثلما يعود الخائب إلى غفوته، ويعود الضعيب إلى كبوتِه، عاد أحمد إلى الحمام.
قام بأعمال التنظيفات المعتادة، فلبس الحمام طقم النظافة مجدداً.
وهناك، في مكان الإنزلاق الكبير، وجد أحمد الصباط.
لا يزال في مكانه كما تركه.
ربما تركوه كشاهدٍ على حدوث الجريمة.
أو ربما لا يجب بعثرة معالم الجريمة قبل وفود التحريين.
طبعاً الزعيم الكبير كان قد اشترى صباطا ً جديدا ً، أو بالأحرى، قُدِّم له صباطٌ جديدٌ، من إحدى المحلات في المطار.
اقترب أحمد من الصباط كأنه يقترب من أحد السلاطين. وكان خائفاً منه ومذعوراً.
ولكن بمرور الوقت، ومثل كل شيءٍ مع مرور الوقت، تلاشى ضباب الرهبة، وانقشعت معالم ما وراء الصباط.
اكتشف أن في الصباط قيمة تفوق قيمة منتعله.
ذاك الصباط، بخلاف صاحبه، لم يؤذه. لم يضربه. لم ينهبه ، ولم يكن السبب
الأكيد لغربته.
بل على العكس. شيئٌ ما في الصباط أعاده، على طيف الذكريات، إلى أرض الوطن.
يوم خلع، وهو طفلٌ، صباطه الصغير في الحقل، وراح يركض.
يريد أن يستكشف أية قدمٍ من القدمين أسرع.
تلك التي ترتدي الصباط أو تلك العارية.
وراحت أمه تنهره. وأبوه يضحك عليه.
حضنَ أحمد الصباط. غمره وشدّ عليه.
صباطٌ جاء من أرض الوطن.
"هل يمسي وحيداً، منبوذاً، ومشرّدا مثلي؟
هل يصادقني في غربتي الطويلة، ويصبح صديقي الأوحد؟
هل يكون سلوتي في باقي الأيام من عمري؟"، راح يسأل نفسه.
" ترى لماذا أمسى الصباط أجمل حين انتُزِع من قدم مسؤول؟
ومتى سيرتقي معظم قادتنا لمستوى هذا الصباط؟".
ولما خرج أحمد من الحمام، بعد انتهاء العمل، أخذ معه الصباط.
ولما عاد في اليوم التالي إلى عمله، عاد هو والصباط.
ومنذ ذلك النهار، وحتى يومنا هذا ، بات أحمد حديث الناس في المطار.
وكتبتْ عنه الجرائد الوطن والغربة بعد طول نسيان.
طبعاً هي لم تكن تقصد أن تكتب عنه، بل عن صباط السلاطين.
الصبّاط الذي طار من قدمِ زعيم.
وعن الموظّف الذي أهان صبّاط زعيم.
وقد ذاع صيت ذاك الموّظف المتمرد، لدرجة أنها راحت تلوك إسمه كل أنواع الأفواه والألسن.
حتى أنه بات يُعرف، في كل أرجاء المعمورة، بـ "أحمد والصباط".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق