الثلاثاء، 19 يوليو 2022

 .....................

د. عبدالحليم هنداوى. 

....................



حديقة الحكيم
٢. العمل
مضى الليل سريعا بالحكيم فعندما تكون بحضرة من تحب فإن الوقت يجرى بك مسرعا كالخيل المراسيل ولذة قيام الليل أخبر عنها سيدنا عمر بن الخطاب وقال إن بقيام الليل لذة لو علمها الملوك لقاتلونا عليها وخص الملوك هنا بالذكر لأن ديدن الملوك هو الحصول على كل ماهو مبهج ورائع
وما أروع أن يقضي العبد الليل فى مناجاة خالقه سبحانه وسكب دموع التذلل والخشوع فى عبودية تامة لله فأنت عبد لكل ما تطمح نفسك اليه اما العبودية لله وحدها حرية مطلقه!!
مع بزوغ الفجر بدأ النهار يبتلع الليل بجوفه إلى أن تبدد الظلام تماما أمام شمس النهار واشعتها الذهبية
بتلك الأثناء خرج الحكيم من مخدعه وبدأ يستنشق نسمات الصباح العليلة
التى ينشرح لها الصدر ويتمتم باذكار الصباح مبتدئا يومه بذكر الرحمن الذى لم يفارقه لحظة طوال الليل
وأخذ ينظر إلى الزهور اليانعة التى تتساقط من فوق أوراقها قطرات الندى فيلملم تلك القطارات فى راحة يده ويمسح بها وجهه وجبينه قائلا تلك القطرات الطاهرة قريبة عهد بالسماء كما كان يقول رسولنا محمد صلى الله عليه على قطرات المطر والاثنين من صنو واحد
ثم سحب رفشا أو فأسا من حديقته وأخذ فى التخلص من الحشائش الضارة أسفل اشجار الورد فرأه احد مريديه بعد أن ألقى عليه السلام قائلا له هل تعمل بيدك أيها الحكيم وقد وهبك الله كل تلك الأراضي التى يعمل فيها الفلاحون وانت بغنى عن ذلك؟!
فوقف الحكيم منتصبا ورد السلام وألقى السلام على الجمع الذى بكر بالحضور لحديقته ثم عقب قائلا يا أبنائي الإنسان يقاس بعمله وبما يؤديه من عمل صالح بتلك الحياة وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها فبالله عليكم هل هذه المساحة من الزمن كافية لنمو نخلة منتجة تحتاج ٦ سنوات على الأقل؟!
الجواب لا طبعا لكنه تقديس العمل
ثم قام أحد الشباب وقال يا حكيم تخرجت من الجامعة لكنني لم أجد عمل يليق بما أحمله من شهادة جامعية!!
فرد عليه سريعا هذه هى مشكلة الجيل يا بنى انهم يتعلمون علوما حياتية قد تكون الحاجة لها قليلة لأنهم اعداد غفيرة فتعجز الدولة أن توفر لهم هذا النوع من العمل
فأقول لهذا الجيل يجب أن تتعلم صنعة أو تمتهن مهنة بجانب هذا التعليم الجامعي وان لم تعمل ما تحب فحب ما تعمل حتى تواجه مصاعب الحياة
فالعمل النافع يدنينا من أسرار هذا الكون وبه ترتفع هاماتنا منتصبة بالسماء وتدنينا الأرض من خيراتها ونستخرج منها أفضل ما تحويه من كنوز
اما العمل الضار والغير نافع فأفضل منه البطالة فلو علم مخترع الطاقة النووية أن بلدا مثل الولايات المتحدة الأمريكية سوف تصنع بها قنبلة نووية وترميها على مدينتي نجازاكي وهيروشيما لتقتل مئات الألوف من البشر ناهيك عن أجيال كاملة مشوهة الخلقه لما أقدم ابدا على هذا العمل المدمر ولفضل عليه البطالة المدمرة
وليس هناك عمل مميز عن عمل طالما هذا العمل شريف ويخدم البشرية فمهنة الاسكافى الذى يصنع لنا حذاء تقى أقدامنا من حرارة الأرض صيفا ومن اوحالها شتاء لا تختلف كثيرا عن مهنة الطبيب التى تعالج تلك القدم عندما تمرض!!
استمع إلى القيثارة لو سمعنا نغمة كل وتر على حده لكانت نغمة نشاز لكن عندما تجتمع نغمات تلك الأوتار سويا يخرج لنا لحن يسكرنا نشوة وإبداع!!
فهل تستطيع أن تحدد سبب اللحن الجميل هل هو الوتر الأعلى ام الأدنى؟!
والحق اقول لكم ان اهم شئ فى العمل احبائى المحبة وان تعمله بإتقان مطلق ترجو منه رضا الله سبحانه بعيدا عن الرياء
فعندما تبني بيتا فابنه بمهارة فائقة وإتقان ومحبة وكأن الذى سيقطنه احب الناس لقلبك وعندما تصنع ثوبا فاصنعه بإتقان ومحبة وكأن الذى سيرتديه احد ابنائك
فقد تدخل مطعما فخما ويقدم إليك شتى أنواع الطعام لكنك قد لا تأكله بشهية أو تجد فيه لذة مع انه من الأطعمة غالية الثمن وقد تمر بصانع طعام ماهر بأحد الأزقة ويصنع لون واحد من الطعام وتأخذ منه رغيف تلتهمه بشهية عالية ولذة فائقة وتطلب الثانى والثالث حتى يذهب جوعك
ففى المطعم الأول الفخم قد يكون الطاهى غير محب لما يقوم به من عمل فيخرج طعامه بهذا الشكل رغم جودة خاماته!!
اما الطاهى البسيط فهو يحب عمله جيدا وقد سهر على هذا العمل سنوات وسنوات بمحبة حتى اكتسب المهارة والإتقان!!
فانتقلت هذه المحبة إليك فى شكل عمل متقن جعلك تلتهم ما صنع بشهية ولذة
بتلك الأثناء دخلت عليهم سيدة من فلاحي القرية بالعقد الخامس من عمرها حاملة وعاء طعام مرصوص عليه فطور بسيط مما تنتج الأرض وقالت تفضلوا على بركة الله فجلس الحكيم وأشار إلى مريديه أن تفضلوا بسم الله الرحمن الرحيم وقال الجميع مثلما قال وأخذوا يلتهمون الطعام البسيط بشهية ولم تمض دقائق حتى بدا الإناء فارغا مما كان يحويه!!
فعقب أحدهم قائلا ما أشهى هذا الطعام فقال الحكيم لأنه صنع بمحبة
والحق أكرر عليكم اعزائى من لم يقرأ ويتعلم من كتاب الكون المفتوح فلن يتعلم ابدا انظر لتلك الأرض الخصبة التى تنتج من كل زوج بهيج هل تعطي هذا العطاء لإنسان بعينه؟ الإجابة بل تعطى الجميع بلا استثناء
انظر لتلك السحابة تفرغ ما فيها من ماء على كل الأراضى بإذن ربها بلا استثناء
فتعلم أن تؤدى عملك بإتقان لوجه الله تعالى بلا تمييز أو عنصرية
ثم نظر إلى الشمس فوجدها ترتفع بكبد السماء قليلا فقال هيا يا ابنائى انتشروا فى الأرض ومارسوا أعمالكم بإتقان ومحبة
د. عبدالحليم هنداوى. من كتابي حديقة الحكيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق