الجمعة، 3 يونيو 2022

 ................

طارق منور

..................



#البركة بين ضفتين
الحلقة 7
كان الرجل الطويل ذو السماعة يدعى يوري روغاتوف ...روسي جاء للجزائر ضمن بعثة الاطباء الذين أرسلهم خروتشوف بعد الاستقلال مباشرة ....ينادونه يورا ....كان طبيبا حاذقا لا يمل من فحص المرضى ابتسامته متصدرة دوما محياه ....دقيق الملاحظة كثير الدعابة مع كل من حضر ...شده وجه مباركة المتلون فتوقف عندها و توقف معه طاقمه من الممرضين ...نظر للنوار وقال بفرنسية مكسرة : هل هذه إبنتك ؟ ...لحسن حظ النوار انه التقط بعض الكلمات حين كان في فرنسا : نعم يا سيدي ..ثم استزاد لعله يحظى بفحصها ..منذ ان ولدت وهي تتنفس بصعوبة ..قالها بالعربية فترجم له رجل بجنبه فاشار يورا إليه أن يقوم و يدخلها غرفة الفحص ...فوقف النوار منتصبا كالألف و تبع خطوات الطبيب الروسي وحين قارب باب الدخول نظر الى العربي ذو الكرش العريض مبتهجا في وجهه و كأنه يرد عليه استحقاره : لقد انتصرت عليك وها أنا سأقابل الطبيب .
وضعت مباركة فوق السرير و راح يورا يقلبها تارة و يضع السماعة في صدرها تارة اخرى امام حيرة النوار الذي لم يفهم شيئا لتمتمات يورا مع الممرض ...ثم بدأ يورا يتكلم وكأنه يعطي اوامر للممرض فلما أتم كلم النوار الممرض قائلا : طمني يا أخي ماذا قال لك ؟ الممرض : لا تقلق يا اخي إبنتك تعاني من ضعف في التنفس لكنه شيء عابر ...فتلعثم النوار و رد وقد اتى عليه الخوف : وهل لذلك دواء ؟ ..الممرض : قلت لك لا تقلق ..لقد انر الطبيب ان توصل بجهاز سيساعدها على التنفس ...النوار : هل هذا يعني انها ستبقى هنا في المستشفى ؟ الممرض : هذا أمر ضروري على الاقل اسبوع ...التوار : ماذا !!!! اسبوع!!! الممرض : إحمد الله ان الطبيب خص ابنتك بفحص واوصى بغرفة لها ...كل من في الطابور خارجا يحسدك ...فارجوك ابق خارجا حتى نكمل اجراءات استشفاءها .
وبالفعل لم تمض الى ربع ساعة حتى حظيت مباركة بسرير في غرفة الحضانة ....اين يوضع حديثي الولادة من الرضع ....وكان لزاما عليه المغادرة لكنه بقي يتحدث مع ممرضات المناوبة ليوصيهم على ابنته ثم خرج يعد خطاه راجعا الى عين مخلوف .. كان الشفق قد نثر رداءه على سماء قالمة و الشمس مالت للمغيب ...بقي الرجل يفتش في شارع عنونة وسط المدينة لعله يجد حافلة او سيارة اجرة قافلة لعين مخلوف لكن هيهات فيوم الخريف قصير و كل السيارات عادت مبكرا ...شريد ذهنه متثاقلة خطواته لم يأبه النوار لهذا وكان تفكيره منصب في حالة ابنته وهو يدعو ربه في سره ان تتحسن حالتها و تشفى مما هي فيه.
بدأ رذاذ المطر الخفيف يتساقط باحتشام وقد احسه النوار حين سقطت قطرات على وجهه فسارع الخطى لاي حمام او مقهى يقبع فيه حتى يرى اين يبات و بينما هو مطأطأ رأسه يزيد في سيره واذا بتزمير شاحنة يزيد من وراءه فالتفت ليجد من ؟؟ التوهامي صديق الصغر .: من !!!! التوهامي !!! ماذا تفعل هنا ؟ و ما الذي تسوقه ؟؟ ...ضحك الرجل الذي سقط صف اسنانه الأمامي ورد بصوت عالي : انا منقذك يا غبي الحنانشة ...جئت لأنتشلك من الضياع في شوارع قالمة ههههه ....ثم ركن جنبه وفتح باب الشاحنة القديمة المهترئة : هيا اركب و كف عن ثرثرات بني حميد التي ابقته في ٱخر الصف ...بعد عناق حميمي بادر النوار : ما الذي جرى معك منذ ان اختبأنا في المطمور حين طوق العسكر دوار سلاوة ..دواركم ؟؟ التوهامي : منذ ذلك اليوم احرق كل الدوار و قتل ابي و معه عمي و معهم زهيد و الشريف من واد زناتي ...العلمي وعمار النمر من جبالة ....كانوا يبحثون عن الروجي وجماعته لكن جماعة سلاوة كانوا مجتمعين في ديارنا بعدما جئت انت مع عمك الركبي ...ولما غادرتم في الصباح جاء العسكر في الظهيرة وقصفت الطيارة الصفرا ...فتحتم على المجاهدين ان يدخلوا في اشتباك معهم فكان ما كان لكن الروجي افلت من قبضتهم ومات الحاضرون بعدما قتلوا من الفرنسيين ملازما و سبعة جنود ...كان يوما عصيبا ...فلم نخرج من المطمور الا بعد يومين انا وامي و عمتي و اختي ...الله يرحمهم جميعا ...لكن قل لي انت ما فعلت بعدها ...النوار ...بعد ان قتل ابي الراقوبي ذالك الحركي النذل بأمر من الجبهة هرب الى عنابة ثم الى تولوز في فرنسا عبر الباخرة ...بعد الاستقلال لحقت به هناك ...لكنه توفى و بقيت وحدي هناك اعمل واعود لعائلتي الصغيرة لكن...ما قصة هذه الشاحنة يا التوهامي ؟ ..فرك التوهاني رأسه وهو يدير عجلة القيادة : هههه ابدا تعرفت على رجل شاوي يسكن في عنابة شغلني في بيع وشراء الغنم ...القمح ..التبن ..يعني ...نلف على كل الاسواق نبيع ونشتري ..جمعت منه بعضا من المال واشتريت هاته الصفيحة وهاأنا اعمل وحدي ...وانا عائد لعين مخلوف لاشتري بعض التبن لجماعة في الذرعان .. ومادامت الصدف لاقتنا ببغض لابد ان اوصلك حتى البيت لاسلم على خالتي الكاملة .
حين خرجت الشاحة مجاز عمار صارت الأمطار عزيرة و صعبت الرؤية على التوهامي فصار يسير ببطء لافت لكنه كان غير مكترث يطلق قهثهاته بعد ان حلى الحديث مع صديق صباه و صار الاثنان يعيدان شريط الذكريات وايام الصغر .
في ديار بني حميد في دوار الحنانشة كانت زينب تنتظر زوجها و كأنها جالسة على الجمر ..كيف لا وهو الذي انطلق بمباركة من الصباح الباكر و لم يعد والذي زادها نرفزة موشح خالتها الكاملة اليومي ....فقد أثارت هاته العجوزة الفظة اعصابها ثم دخلت متمخترة لغرفتها لتستلقي على سريرها الخشبي الجميل .....كانت كلما مالت الشمس للمغيب تستلقي لساعة او أكثر قليلا تمدد اعضاءها و تستعيد شريطها اليومي الذي نخر احاسيسها و سوس أفكارها...كانت تسمع دوما صوت ابيها الحاج العرابي ....وهو ينادي اختها ساسية ام زينب يدلعها و يقول سوسة ...العرابي كان خماسا عند الفرنسيين يعمل ياليومية لكنه رغم عمله المضني ...سعيد بشوش ويحب بناته واولاده وبعد ان ملكت قلبه الكاملة في صغرها وكانت ايقونته جاءت ساسية اخر العنقود واخذت مكانها فكلما اقترب من الديار هرولت تجري لتلاقيه فيقبلها و يخرج من جيبه حبة ثمر ...حلوى ...المهم كان شيئا تفرح له ساسية و تبتهج امام نظرات الكاملة التي كانت شابة فارعة .... لكن ما كان يؤجج حقدها حين كان يتسوق باكرا ثم يعود و يجلب لساسية حلوى النوقة او حلوى الطوب اما هي فلن تنال منه سوى الاوامر الصراخ والتأنيب ....هاته النار التي أججها تصرف المرحوم ورحل لكن لظاها مازالت تستعر ويبدو ان ألسنتها ستمحي الأخضر واليابس ...يتبع
طارق منور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق