...................
د. خالد الجلاصي
..................
"دنياي"
في جوّ صوفيّ عتيق تحت وطأة عبق البخور و أنغام آتية من مكبرات الصوت في ساعة خشوع قلّما رأيت من حولي في مثل تفرّدها بدأت إبتهالاتهم و أدعيتهم تعلو و تنحني لخالق الكون عرفانا
كان الحاضرين من أصحاب العمائم و من لابسي الجبّة التقليدية التونسية بكامل طاقمها و رونقها و تغيرت ألوان الجبة من شخص إلى آخر باختلاف الأعمار و الأذواق و الظروف المادية
و في حلقة الذكر تلك كنت أتفرّس الوجوه بين الحاضرين من الرجال في صحن مقام الولي الصالح سيدي محرز "سلطان لمدينة" الذي لم يعرف في حياته مثل هذا التبجيل و الترحاب بذكره إلّا بعد رحيله عن دنيانا
و العارفين بأجواء المقامات المماثلة يدركون لزوم الدخلة بال"سَّنَاجِقِ" أي الألوية أو الأعلام التي تعلن دخلة سيدي فلان أو علان في جوّ لا يكاد يخلو من أذكار و أمداح تبرّكا بما أتاه صاحب المقام من كرامات
و إن كنت لا أوافق هذا الطرح تماما لكن لا أنكر أهمية دور هاته العوالم في خلق أجواء تآزر و تأخي و تكافل لضعاف الحال
في هاته الأجواء التي تحلو خاصة في شهر رمضان المعظم كنت قد خلوت إلى نفسي في طرف بعيد من صحن المقام لأراقب صامتا ما تدرّج إلى أعالي السّماء
لكن في غفلة منّي أحسست بحوار قد علا صداه داخلي
حوار متمرد على هذا العالم المؤثر و متأقلم مع نواميس المقام ففي كل هذا استشعر شيطاني مكامن الضعف في هواجسي و حدثني عن رغبة الانطلاق إلى أماكن أكثر أريحية مع الحضور الأنثوي الطاغي و مع القدود الحلبية و الشامية من ورثة صباح فخري في هذا الفن
و قد لمح في هذا الجمع تلك الواقفة على الباب بجمال و رقة ملاك أتى لتوّه من جنان الرحمان لا من أحد أحياء بني الإنسان
و سَلَّمت بما أراد و لم أجد مانعا في أن أقف من مكاني لأشق الجمع في خطوات سريعة حتّى أطال ذاك الباب
و عند الاقتراب لم أجد صاحبة الدلال ... لكني رأيت طيفها بين جموع المارة الخارجين بعيدا عن المقام ...
فاستنفر صوت المتأقلم المحذر داخل رأسي ليقول لي
"لا تجعل هواك إمام خطاك" ...
تريثت و أيقنت أنّ الطيف قد غاب ...
و آثرت غض الطرف لأعود لعوالم الذاكرين متشكرا لصاحب العرش ... و ما هي إلا بضع دقائق حتّى عاود الطيف الظهور لتقف بجانبي شمس من شموس الرحمان
فتاة ممشوقة القد تكاد تعادل الزيتونة في نضارة وجهها
و شعرها الأشقر قد تلألأ أمام عيناي
"لا تجعل الدنيا تلاعبك بألوانها و تنسيك ما حلّ في الجنان" هذا ما أردف صوت المتأقلم لكن أثر المتمرد طرق مسامعي بصوتها" هلّا سمحت لي سيّدي بالمرور؟"
نظرت إليها قائلا "و هل لي خيار ؟" و قد تركت المجال لخطواتها حتّى تلج المقصورة الجانبية للمقام حيث الضريح أو ما عدّ كذلك و قد تبعتها ظنا منّي أنّي سأستفيض معرفة بمناقب الحسناء
و ما كنت أتوقع تلك المفاجأة ...
لقد وجدتها أمامي في عالم آخر نورانيّ مخالف لواقع المقصورة التي عهدتها في زياراتي الماضية و تبعتها بخطى أكثر هدوء لم أكن أسمع صوتا خلاف ما شاع من أصوات العنادل و الطيور التي رافقتنا في فسحة أو ما شابه فسحة الأمل
سألتها " ما أسمك ؟"
فأجابت : "دُنْيَاكْ"
فابتسمت قبل استكمال الحديث قائلا:
" و هل دنياي بمثل جمال ما أرى؟"
ضحكت برقة غزال ملاعب على أطراف سحب حملتنا مُعْرِجَيْنِ إِلَى عرْشٍ تبيّن نور مَنْ فِيهْ دُون تمييز ما كان وراء النور المقبل على سريرتي بعطر الطمأنينة الأبدية
و ما هي إلا بضع لحظات حتى بان على يسار العرش ميزان كبير الحجم عظيم الابعاد و على يمينه توسطت "دنياي" جمعين من الحسان و قالت "دنياي":
ربّ الخلق يخيّرك وضع ما فيك من طباع على كفّي الميزان و ما الجمعين الماثلين إلّا بعض حالات و صفات بني الإنسان
فسألتها أسماء الحسان و قد احترت في جمال مخلوقات الله حتى تعرّفت على معاني ما سمعت ثم اخترت
على الطرف الأيسر للميزان
"نزعة البقاء" و "نقمة المال" و "دمعة الخُذْلان"
و "حسرة الظالم" و "عين الحاسد" و "رغبة التملّك"
و "سطوة الغازي"
و على الطرف الأيمن كان لي
"رأفة القلب" و "رحمة القادر" و "جرأة العارف" و "قدرة العالم" و "نعمة الإيمان" و "صلة الرحم"
و "راحة البال"
فجاء صوت داخل عقلي خلته صوت صاحب العرش سبحانه :"ما حيلة المؤمن حتى تميل كفته نحو يمين الخير؟"
قلت دون تردّد "حكمة الصائم" فزاد الفضاء جمالا و تورّدًا و داعب أنفي عطر الياسمين الذي ذكّرني بحديقة البيت حيث كنت أجلس لأتأمّل حكمة الخالق في خلقه في أوقات خلوة مع ذكريات الماضي مع الأحبّة و الأقرباء ...و بكفّي فنجان القهوة الذي طالما ذكرّني مسامراتي مع والدتي رحمها الله
و فجأة تغيّر هذا العالم لينجلي لأجد نفسي مع الجالسين في حلقة الذّاكرين و صوتي منغمس بين أصواتهم حمدا و شكرا في أسحار ليلة غرّاء من ليالي رمضان المعظم و قد إتخذ الزمان من جسدي متكأ عبوره ... و أنا بين الأذكار أنازع خير الالوان من رؤياي ما بيح في زيارة "دنياي" ... في رؤية عابرة بين غفوتين
د. خالد الجلاصي
12:25
07/01/2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق