.............
حاتم بوبكر
................
قراءة لقصيدة الشاعرة الدكتورة:
Moufida Jelassi
بقلم الأستاذ : حاتم بوبكر
القصيدة:
" نزيف الأنفاس "
نزيف الأنفاس يغتال أهازيج الصبح
على مسمع الوجود الخاوي
تولول فيه رياح الغربة...
عندما تقسو على مسافر
سرى مع خطى الفجر
يشق عباب بحر تصيدته
الأمواج العاتية...
وفي بستان قلبك الغر
قد يورق الحب ويزهر
حينئذ تبدأ الحكاية'مدبجة
بحبر روحك ورؤاك
وقد أثقلتها بشكواك...
ودونك هاتيك الروابي
مثقلة بهموم الجنى
في الفصول العابرة
ترنو اليك من وراء الأفق
تلاعبت به ألوان قوس قزح
في البرية كالشوق لا يعطي رحيقه
ترنو اليك امالك من زمن
تاه في معتقل الأحلام
تخبرك بأنها ما هي
إلا قصتك تجترها أيامك
وقد غدت بأشكال شتى
تشتتت أحداثها وأما الأبطال
فقد وسمتهم الهزيمة
وقد باتت قدرهم
ينظم فيهم مرثياته..
تمازجت الألوان والتبست
الطرق والمعارج... فهلا تأملت
ذاتك في مرآتك...
فتلك تفاصيلها وملامحها
بين حنايا الروح ارتسمت
متعثرة خطاك في زحمة أيامك
تتوالد خواطرك وقد انبعثت
تتراقص شذرات كالحقيقة
لا تفصح عن كنهها في دروب ذاكرتك المنهكة..
تطاردك في حلك وترحالك
.فهل كنت قادرا
على ان تتجاهل نزيف أنفاسك
وهو الذي بغد آخر يخبرك
من أوردته ترتشف نبض حياتك؟؟!!
( الدكتورة الشاعرة مفيدة الجلاصي)
القراءة:
في العتبة:
العنوان انبنى على صفة ثابتة من نزف والنزيف هو اسم مفعول ويقترن بتدفق الدم بإتجاه داخلي أو خارجي وقد يكون "شريانيا أو وريديا أو شعيريا" وفي كل الحالات يرتبط بماهو عضوي ومادي غير أنه في النثرية بدأ مغايرا يتعلق بالانفاس ومفردها نفس وقد بدت هذه الانفاس غير قابلة للعد، دفقها أو نزيفها اشتد، نشطت وازدادت سرعة فكيف للانسان ان ينزف انفاسه؟
العنونة قامت على انزياح دلالي استحالت معه الانفاس إلى عضو نازف ونزيفها مغاير لنزيف ما هو مادي، بدت فيه متسارعة وقد اشتدت ولم تعد الشاعرة تقوى على احتمالها فكيف للانفاس ان تنزف وماهي دواعي نزفها وهل تبلور هذا النزيف اللامادي فيما نثرته الشاعرة؟
في النثرية:
في السطر الأول ترسم الشاعرة صورة تقلب بها تصورنا للصبح ومحاميله. اقترن الصبح لدينا بالظهور والتجلي والانكشاف والبهاء والجمال والنور بمقتضاه ينهزم " نيكس" ويسود سيد النور ، هو تجسيد لانهزام الظلام بمقتضى النور، هذه الصورة المألوفة تحول الانفاس دون تحققها ذلك أن اشتدادها غير لقاء الشاعرة بالصباح إذ انعكس نزيف أنفاسها عليه بل واغتال كل امتلاء وانتشاء فيه. نزيف الأنفاس "اغتال" وهنا تستحضر صراع التناتوس مع الايروس . بدا التناطوس منتشيا في ذاتها حد اغتياله لمحاميل الصباح أي مجموع أحلامه وآماله وألوانه والبهجة فيه بل وبات الوجود خاويا مستوطنا من قبل الغربة. هنا تتجلى الصبغة الانتروبومورفية التي تضفيها الشاعرة على الصبح فيصبح مرددا للأهازيج وعلى الوجود فتكسبه حاسة السمع . تحفز شاعرتنا حواسنا من سمع ونظر لترشدنا إلى نزيفها وإلى تمظهراته على مستوى يومها وعلى مستوى الوجود .
بدا الوجود قاتما سكنته الغربة وبؤس الذات الداخلي هي المفاعل في الوجود مما يجعلنا نستشف التماهي بين الشاعرة والوجود بل وتعاطف الوجود مع الشاعرة وندرك انتشاء اللامعنى وغياب القيمة والانتشاء والامتلاء من الذات ومن الوجود على حد السواء فهل من دواعي لهذا الوضع المأزقي الاحراجي؟
تقول الشاعرة "عندما تقسو على مسافر يرى مع خطة الفجر ... وفي بستان قلبك قد يورق الحب ويزهر" وهذا ضبط وتحديد للدواعي ففيم تتمظهر؟
بدت شاعرتنا سرقت الروح الأخيرة المتبقية من جرة باندورا المهداة إلى ابيميثيوس ولعلها بروميثيوس، بدت حاملة للأمل ولجنون كيوبيد"الحب" فرحة كمسافر يعد نفسه بالفلاح و قد أبكر مرتديا سروج الفرح ، يزاحم الامواج العاتية ويصارعها من أجل الظفر بصيده بحلمه وآماله والحب منتشي بحديقته السرية .. تلك هي الدواعي وتلك هي بداية الرواية وتسارع الأنفاس حد النزيف. إن محاميل الروح ومطلوباتها الخفية المتأتية من ثقل الماضي المنبعثة من زخم الانكسارات من جديد لتعانق الانتصار والحب والامتلاء حين تنكسر من جديد يتمطى النزيف ويصير نهر هيرقليديسا جارف متجدد بل يصير ديمومة مزمنة للذات ولا يبقى لديها سوى النظر من المدى ، سوى بعض سراب وبعض بقية باقية من أبعاض أمل ، أليس هذا داع لاشتداد الأنفاس وتكثر وتدفق النزيف ولكن لمن ترنو شاعرتنا ولمن توجه خطابها وتشتكي "الوضع" بمعنى وجودي؟
هل تشتكي الشاعرة حالها أم حال غيرها أم حال الوطن أم حال الإنسانية وهي القائلة " بخبر روحك ورؤاك ... وقد أثقلتها بشكواك... ودونك هاتيك الروابي."
هنا يلتبس عليك الأمر ويشق عليك الخبر غير أن النثرية وإن بدت عرضا لوضع الغيرية إلا انها انعكاس للأنا إعتبارا إلى أن " الفن أنا" حسب بول كلي لكنه ليس أنا مغرقا في الانانة ذلك أن كل أنا منغرسة في الوجود الموضوعي بل إنها تقيم في العالم والعالم يقيم فيها لتستحيل النثرية تعبيرة عن الوجود الانساني في كليته.
تتبدى شكوى الشاعرة متبجحة على الروابي وهنا نلحظ النفس الرومنطيقي، روابي أو ذات مثقلة حبلى خلافا لشاعرتنا/ للوطن/ للانسانية المثقلة بالانشغالات المترقبة للتنفيس أو لافراغ حمولتها وخلجاتها ومعاناتها وسدّ احتياجها الروحي والانساني من الحب والعاطفة لتستريح وتدرك سكينة طالما إليها سعت . تواصل عرض غربتها ووضعها المأزقي موظفة أداة حصر " إلا قصتك" وفي هذا تأكيد وإقرار بامتلاء الكل عدا الشاعرة أو الوطن. هنا تبلغ المعاناة حدها القصي وتتمظهر من خلال الصورة التي صاغتها الشاعرة، إنها تستشعر فوضاها وخوائها أو فوضى الوطن وخوائه من الحب بل تتجلى لغة المسرح على النثرية ذلك أن أبطال قصتها أو وط.....ها عاقروا الهزيمة والغربة والضياع النفسي والشتات حد اشتداد نزيف الأنفاس بل وتؤكد أن ذلك قدرهم ربما لخذلانها لآمالها أو لما أغدقته عليهم من حب أو لعدم وفائهم أو لتملصهم من المسؤولية . في آخر النثرية تلتمس الشاعرة من ذاتها أو من أرضها أن تعود إلى ذاتها أو وطنها ليحدس حقيقة ذاته الغائرة في ذاته أو حديقته السرية وأسباب تأجج نزيفها الذي لم تستطع إلى التملص منه سبيلا ومستطاعا وكأنها في لحظة تبرير لنزيفها واقرارا منها بأنه نتاج طبيعي ولكني أقول بلغة محمد منير "لسة الاماني ممكنة" وأن الذات أو الشعوب التي تعاقر أحلامها لا تشيخ أبدأ وأنه مادام في الحبر نبضا مازلنا نبحر في الأصباح المستطيرة مغادرين الأصباح الكاذبة. دمت بانزياحاتك وصورك الرائعة تخطين أبهى السيمفونيات وبها تسترجعين توازنك وترسمين أفق توازن الوطن.
حاتم بوبكر
تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق