الأحد، 6 مارس 2022

 ...............

إبراهيم عبد الكريم.

.............



قصة من معاناة المهجر تحت عنوان: الزواج.
يقلم: إبراهيم عبد الكريم
تطورت علاقة سعاد وعلي من مهنية الى ٲخوية، عائلية، كلاهما من رجال التعليم.
بدأت سعاد التدريس في سن مبكرة، لم تكن تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، كانت تعمل بتفان وصدق، كان شغلها الشاغل يكمن في نجاحها المهني وتعليم تلاميذها، مثل حي للضمير المهني الذي بات يغيب في عالمنا الحاضر، أما علي فقد تجاوز سن الستين من عمره، وقد خط الشيب شعره، وبات على باب التقاعد، كان يعامل سعاد معاملة الأب، يؤازرها في العمل وفي حياتها اليومية، كلما تحدثت إليه تعلو وجهه ابتسامة بنبرة ابوية التي فقدتها منذ أن استقر والداها بالمغرب بعد حصولهما على التقاعد. كانت تجد في علي السند قولا وعملا..
مع تتابع الأسابيع والشهور بدت مضاعفات صراع داخلي تظهر على ملامحها.
على الرغم من مشاركتها الفعالة واستثمار قواها داخل في خدمة التلاميذ والمصلحة العامة في التربية الوطنية ومناهجها، إلا أنها من حين لآخر كانت تبدو شاردة الذهن تحلق خارج أسوار المؤسسة، إلى أن طمست ملامح اليأس جمالها، فأصبحت شاحبة الوجه نحيلة الجسم، ولم يتبقى من بريقها القديم إلا شعرها الحريري الطويل وعينيها السوداوين الجميلتين، كانت كلما ولجت قاعة الأساتذة، تكسوها ملامح الحزن، لم يغمض لها جفن طيلة الليل، "ربما كانت تقضي لياليها في مشاحنات مع زوجها" هذا ما كان يردده صديقها علي في قرارة نفسه، إلا أنه حاول تفادي مفاتحتها في الموضوع خوفا من إحراجها، مع توالي الأيام والأسابيع لاحظ أن لا شيء تغير من مظهرها بل تأزم وضعها، وتدهورت حالتها أكثر، حاول إقناع نفسه بعدم التدخل فيما لا تريد مفاتحتها فيه، إلا أنه لم يستطع محاربة حسه الإنساني الذي بداخله، كما أنه كان حريصا على صداقته بها لا سيما وأنها تفكره بابنته البكر التي تعيش بعيدة عنه بآلاف الكيلومترات، غالبا ما كان ينادي سعاد بابنته، "كيف يستطيع فك سر تلك الملامح الحزينة التي تطغى على وجهها الشاحب؟" سؤال طالما أرق فكره. في يوم من أيام بداية الأسبوع، وبعد تفكير عميق طيلة يومي السبت والأحد، قرر محادثتها في الموضوع، فكانت المفاجأة حين تركت العنان لمشاعرها لتفضي له قصتها منذ البداية إلى حالتها الحزينة التي تعيشها حاليا مع زوجها.
سعاد فتاة تنحدر من عائلة عاشت على قدر حالها، كانت أمها أمية لم يسبق لها أن التحقت بالمدرسة، اللهم المسيد لتعلم كتابة القرآن وحفظه، كانت تقوم بدورها في بيتها، تعتني بحياة أبنائها الثلاثة.أما والدها فقد قضى جل حياته في العمل بمصنع تركيب السيارات، كان يسافر بعائلته كل سنة إلى الوطن لصلة الرحم، ربى أبناءه تربية حسنة، تجمع بين التقاليد والحداثة وحب الوطن واحترام الجميع، سار على هذا المنوال إلى أن حصل على التقاعد فعاد الى بلاده للاستقرار بها بصفة نهائية. كما كان حريصا على زواج بناته بأبناء وطنه، كان إنسانا شديد الورع، وهذا ماحصل مع سعاد، البنت البكر التي لبت رغبة أبيها " البنت المرضية". على الرغم من مسارها الدراسي العالي، تزوجت برجل بمستوى دراسي ضعيف، كان قد تقدم لخطبتها في آخر زيارتها لعائلتها بالوطن الأم.
كانت تبوح بقصتها لعلي والدموع تغرغر بعينيها، استمرت قائلة: "فعلت المستحيل من اجل زوجي، كانت وضعيته المالية ضعيفة، لا مهنة له، كان عاطلا عن العمل" استطردت في حكايتها قائلة، "قدم إلى فرنسا بعد أن هيأت له كل شيء، دامت الحياة برفقته سنتين إلى أن حصل على الإقامة القانونية بفرنسا، فوجئت بتغير تصرفاته" أضافت قائلة" بعد ذلك كل شيء تغير فيه، بدأ يتحدث عن سلطة الرجل في البيت وضرورة خضوع المرأة للرجل وإرادته وبقائها في المنزل" فجأة رفعت راسها، والغصة تكاد توقف انفاسها لتضيف بصوت متهدج قولها: " أخيرا طلب مني تغيير ملابسي وارتداء الحجاب وهو يعلم أنه ممنوع بفرنسا التي تحكمها قوانين علمانية، يعلم جيدا أن المجتمع الفرنسي علماني".
من حين لآخر، كان علي يحاول التخفيف من مأساتها كما لم يتردد في حقها على التبصر والصبر، قبل اتخاذ أي قرار يمكن أن تنتج عنه نتائج لا تحمد عقباها، دعاها لمناقشة الموضوع مع زوجها واقناعه، لعلهم يجدون مخرجا منطقيا لخلافاتهم دون الانغلاق في دوامة صراع يزيدهم تعاسة.
في يوم من ٲيام الاسبوع، كان يوما مشمسا من شهر مارس، فصل الربيع وقد اكتسح الاخضرار أرصفة الطرق، والورود كانت تبعث عطرها لكل المارة الذين خرجوا للنزهة والتمتع بشعاع الشمس، في سماء صافية وسكون هادئ خال من الرياح الباردة، كما كانت الطيور تزقزق متنقلة من غصن لآخر بالأشجار مرحبة بالمارة وكأنها تدعوهم للتمتع بالحياة. دخلت سعاد إلى قاعة الاساتذة، والبسمة تنبعث من شفتيها وتعلو وجهها ملامح الفرح والحبور، اقتربت من الكرسي الذي كان يجلس عليه علي لتبادله تحية الصباح ثم خاطبته بصوت خافت لكي لا يسمع محتواه من في القاعة، قالت له بنبرة متفائلة، " ليذهب إلى الجحيم"، في البداية استغرب علي لسماع هذه العبارة ثم سألها مذهولا"ماذا حصل يا ابنتي" اجابته وقد علت شفتيها ابتسامة عريضة قائلة " رجعت لي حريتي، بالأمس طلبت من زوجي الطلاق ومغادرة المنزل دون انتظار"
6/32022 فرنسا
إبراهيم عبد الكريم.
المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق