الأربعاء، 5 يناير 2022

 ..............

مصطفى علاء بركات

...............




( الكرسى بيغير )
قصة قصيرة - من كتاب { جاءنا البيان التالى} مجموعة قصصية
الكرسى بيغير - عبارة نرددها كثيرا و نشير بها للشخص الذى يتخلى عن بعض مبادئه الدينية و الأخلاقية ، بمجرد أن يحصل على منصب ما تماشيا مع متطلبات منصبه الجديد و قربان للإدارة العليا ليتموا نعمتهم عليه ... و لكن القصة هنا مختلفة بعض الشىء ...
مع أعمال إقفال الميزانية السنوية ، تم الإتفاق على تغيير بعض المكاتب و الكراسى القديمة بأخرى على أحدث طراز ، و كان من ضمن سعداء الحظ الذين تم تغيير مكاتبهم
الأستاذ /محمود مرزوق بإعتباره من القيادات الشابة و مديرى المستقبل
تم إدخال المكتب الجديد و الكرسى الخاص به لمكتبه و تبعته نظرات حسد من بعض الزملاء الحاقدين بسبب أو بغير سبب و هم لا تخلو منهم مؤسسة ، تم إزاحة المكتب و الكرسى القديم فى طرف غرفته تمهيدا لنقله بعيدا و تم وضع الكرسى الجديد و المكتب ...
جلس مرزوق على الكرسى الجديد و كان من أحدث الموديلات مزود بعجلات لامعة و مقابض جلدية ناعمة كأنه كرسى قائد طائرة - إلا أنه عندما جلس عليه لاحظ أن ظهره أوجعه بعض الشىء إلا أنه قال لعله فقط بسبب تغيير الخامة و أنه سيعتاد عليه مع الوقت ، لاحظ أنه عندما يدور بالكرسى لجهة فإن الكرسى يدور بقوة و ليونة بحيث يكاد يدور حول نفسه و كادت تسقط على الأوراق مشروبه الساخن بسبب قوة المرونة فى المقعد الجديد ، لاحظ بعد فترة أن آلام ظهره زادت بشدة فكان يضطر للوقوف كل فترة ليريح ظهره و ينتظر أى فرصة ليقوم من على الكرسى و يتخلص من أوجاع ظهره و التى زاد عليها وجع بعضلات الفخذ
نظر فى إحدى وقفاته ليريح ظهره من أوجاع ظهره لكرسيه القديم و فكر فى أنه كم كان مريحا لأكثر من سنتين لم يشتكى من ظهره ... و كثيرا ما تحمله و حماه من السقوط بسبب قدمه و ثبات مفصلاته مع الزمن ، و تذكر فى أحد وقفاته كيف كان أحيانا يغفو نائما على الكرسى القديم لثباته و راحة خاماته
و لكن الكرسى الجديد كان على أحدث تصميم ، فخم جدا كبير ، ناعم ، أطرافه لامعه يوحى بالهيبة و الجمال
كيف يتركه و ثمنه خمسة أضعاف كرسيه القديم ، و الخامات المصنوعة منه أرقى الخامات كيف يفرط فيه و ربما لا يتأتى له غيره ، إن أحد العملاء ظن انه صاحب الشركة بسبب هذا الكرسى الفخم
تحامل مرزوق على نفسه ، بعد أن وجد أن كل المزايا المادية أعلى بكثير من الكرسى القديم و أنه لا وجه للمقارنة أصلا و ازداد إصرارا على إستعمال الكرسى الجديد
إعتاد زملائه على رؤيته منحنى الظهر بطىء الخطوة بسبب ألام ظهره و عضلات فخذه ... بعد أن كان مشهور بالنشاط و الخطوة الواسعة ، كما اعتاد المديرين على رؤيته فى كثير من الأوقات ليس منكبا على المكتب و لكن واقف يتمطع و يحرك ظهره للخلف و الأمام !
لم يعد ينكب على الشغل بالساعات ، فكل فترة عليه أن يقف ليريح ظهره فكان يهدر وقتا حتى يعود و يستعيد تركيزه مرة أخرى ...
فتاخرت بعض الأعمال عليه و تراكمت عليه ، و طارت العصافير للسيد المدير ... خوفا منهم على مصلحة الشركة لا غير
أرسل المدير لمحمود مرزوق على وجه السرعة
.. فى إيه يا محمود ، ماذا حدث لك ؟
الشغل متأخر و كثير من الزملاء شاهدوك تتمشي فى الطرقات
أو تلعب رياضة بجوار مكتبك و لا تركز فى عملك
- يا فندم الموضوع
قاطعه المدير : موضوع ايه !؟
الموضوع أن محمود الذى كان كل يوم يدخل لى بمقترح سديد أو إنجاز جديد أصبح يؤخر أعماله اليومية
محمود مرزوق الشاب النشط الذى كان يقفز بين الأقسام متابعا العمل و المشكلات ، أصبح يسير كالشيخ العجوز و يستأذن مبكرا لجلسات العلاج الطبيعى !
ماذا حدث لك يا محمود ، هل تعانى من أزمة صحية ؟ أخبرنى ...
الكرسى ... الكرسى يا فندم
الكرسى ؟! كرسى إيه مش فاهم حاجة !
يا سعادة المدير طقم المكتب الجديد اللى أكرمتونى بيه ، معاه كرسى فخم و لكنه دمر فقرات ظهرى مبقتش أعرف أركز و استغرق فى الشغل ... ألام ظهرى و ساقى أثرت أيضا على رأسى مش عارف ارتاح .. فكرت اشتغل و أنا واقف
فكرت اشتغل فى البيت . .. تعبت
يا بنى و لماذا لم تقل من قبل
أنا نفسى الكرسى اول ما استعملته أوجعنى
كلمت الشركة ، قالوا إنه بمواصفات عالمية بحيث يختلف من شخص لشخص مثل مقاس البدلة فغيروه ... كما انى أخبرتهم بانى لا احب اللف و الدوران
فثبتوا لى عمود الدوران و لم يعد يدور كالساقية
يا محمود :
الكرسى بيتغير مش احنا اللى بنتغير .
( تمت )
بقلم / مصطفى علاء بركات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق