السبت، 11 ديسمبر 2021

 ................

إبراهيم عبد الكريم

................



قصة بعنوان: الغربة
كان الليل قد أسدل ستاره حينما رن جرس الهاتف مرات عديدة دون توقف، توجه أحمد نحو الهاتف ولسان حاله يردد بصوت خافت " الله اسمعنا سماع الخير"، نظر إلى الساعة فوجدها قد تجاوزت العاشرة من بعد منتصف النهار. جرس الهاتف في مثل هذا التوقيت يرتعش له الجسد و تتضاعف نبضات القلب خوفا من الخبر القادم " لاشك أنه خبر مخيف قادم من الوطن" هذا ما فكر فيه أحمد قبل أن يمسك بجهاز الهاتف، لكنه احس بثقل أنامله ليتردد في الرد على المكالمة.
توقف هنيهة ليتنهد تنهيدة عميقة قبل أن ينطق بقوله "السلام عليكم، اهلا وسهلا"، في البداية كان صوت مخاطبته متلعثما، يكاد لا يفهم منه أي شيء، بعد ذلك أدرك أنها أخته التي بدا عليها الارتباك في الإفصاح عن ما تريد اخباره به، حدثته عن أمه التي تشكو من مرض السكري وضغط الدم، خاطبته بقولها:
" امي طريحة الفراش" وبنبرة الحائرة الخائفة عن صحة أمها، أضافت، : " لاشيء يبشر بالخير" في الختام تغيرت رنة صوتها لتقول له بكل صراحة" لابد من حضورك لرؤيتها قبل فوات الأوان ."، رددت كلامها هذا مرات عديدة، الشيء الذي ترسخ بذهن أحمد دون نسيان،.
بعد هذه المكالمة، ارتجف جسده من اعلى راسه إلى أخمص قدميه، اندلف داخل غرفته دون أن ينبس ببنت شفة، واسترخى على فراشه لعله ينام لبعض الدقائق لا سيما وان يومه في العمل مر في ظروف قاسية بسبب الإرهاق والتعب نتيجة حرارة الشمس المرتفعة من جهة وصعوبة العمل في أوراش البناء من جهة اخرى، ظن أنه سيتوصل الى فكرة حول سفره لرؤية أمه بزوال الليل، " الليل يجلب النصيحة" لكن صورة أمه حطت بثقلها على ساحة تفكيره، اكتسحت خواطره، فلم يغمض له جفن طوال الليل إلى أن حل الفجر. قضى ليله بين الرغبة الملحة والواجبة في رؤية أمه واحتضانها للتخفيف عنها من المرض ومؤازرتها، و بين الخوف في ترك زوجته وابنائه لوحدهم في عالم يتطلب منه مرافقتهم إلى المدرسة في الصباح وبعد منتصف النهار، هذا علاوة على فيروس كورونا الذي ادى إلى غلق الحدود والإجراءات القاسية للسفر إلى الوطن.
تربط احمد بأمه فاطمة علاقة فريدة، لم يعرف وجودا لغيرها في حياته منذ أن غاب والده عن البيت وهو لم يتجاوز سن الرابعة من عمره حين خرج أبوه يوما في الصباح الباكر ولم يعد إلى المنزل ليصلهم الخبر فيما بعد عن موته في غرق القارب المطاطي الذي كان يحمله وعدد من المهاجرين السريين إلى الضفة الجنوبية من أوروبا، ترك فاطمة وحدها تتحمل مسؤولية عيش ابنائها، عانت من الحرمان وقسوة الحياة اليومية. كانت تعمل جارية، تتنقل من دار إلى دار كما كانت تقضي جل لياليها في تحضير أدوات تقليدية من الحلفاء وبيعها لتوفير الموارد المالية الضرورية لسد حاجيات الرمق اليومي، ها هي الآن وقد تجاوزت سن السبعين من عمرها، تعيش وحيدة بمنزل العائلة، كبر الأبناء وغادروا وكر العائلة، .
أصبح الشغل الشاغل لأحمد يكمن في كيفية السفر في أقرب وقت ممكن لرؤية أمه. في الصباح الباكر من نهار الغد توجه إلى باريس ليلتحق بمطار شارل ديغول. لحسن الحظ حصل على مقعد في الطائرة الوحيدة التي كانت مبرمجة للتوجه نحو مطار وجدة. بعد ساعتين ونصف من السفر، قضاها في صمت وافتراضات أرهقت ذهنه حول الحالة الصحية لأمه. كبح دموعه من التساقط طوال السفر، بعد ذلك وجد نفسه يبحث عن سيارة أجرة توصله إلى بلدته في جو قارس نتيجة عاصفة قارية أصابت المنطقة، كان يوما غائما وممطرا، وكأنه شعر بما كان يخامر نفس أحمد، اخيرا وصل إلى البيت حوالي الساعة الخامسة من بعد منتصف النهار، استقبل بحرارة من طرف الحاضرين، من الاخوة والأخوات وابنائهم، الكل يبتسم لرؤيته، لكن الهاجس الأول الذي كان يشغل باله هي الحالة الصحية لأمه. بعد تحية الجميع اندلف داخل غرفة أمه على أمل أن تفرح به وتستقبله بابتسامتها الجميلة الحنونة كعادتها كلما عاد لأرض الوطن في العطلة الصيفية، لكن لاشيء من كل هذا حصل، تقدم بخطى وئيدة نحوها، فجلس على جانب من فراشها وكله أمل في الفوز بنظرتها العطوفة، إلا أنها لم تحرك ساكنا، لم تتجاوب مع حضوره، ليعتصر قلبه من شدة الألم، ظلت تراقبه بعينيها العريضتين الحائرتين، فجاة نطقت بصوت متهدج وهي تشير الى ابنتها بنبرة استفسار قائلة: "من يكون هذا الرجل الغريب الذي دخل إلى غرفتي" أضافت بصوت لا يكاد يسمع من الحاضرين ترحيبا بمن اعتبرته ضيفا بمنزلها، قائلة" قدموا الحلويات والشاي لضيفنا"، أحدثت كلمة الضيف صدمة، انطلقت كرصاصة من بندقية لتصيب قلب أحمد ليجهش بالبكاء، لم يستطع التملك في نفسه، هرع نحو الخارج ليترك العنان للدموع تتهاطل على جفنيه. كره الغربة التي ابعدته عن أمه وعن آلامها. في الٲخير أخبروه أنها أصيبت بمرض الزهايمر.
فرنسا 1/6/2021
إبراهيم عبد الكريم
المغرب. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق