الثلاثاء، 6 يوليو 2021

 ................

أحمد علي صدقي/المغرب

.................



المتقاعد
بعد ثلاثين سنة من الشغل أحس الرجل أن العمل نعمة من نعم الله على الانسان. فهو يمنح العامل قيمته ويحسه بوجوده الناجع كفرد في مجتمعه..
في أول يوم من تقاعده، وقد تركه كل أفراد المنزل نائما وتوجهوا لأشغالهم، استشعر أنه أصبح عنصرا غير مرغوب فيه. وأنه أصبح عديم الفائدة كمنتوج انتهت صلاحيته. نام ليلته وها هو يضيف إليها نهاره. ما فكر في الأكل ولا في الشراب بل كل تفكيره راح نحو هذا اللاشيء الذي جناه من هاته الثلاثين سنة عملا.. تساءل كثيرا والأسى يملأ قلبه:
لماذا هذا الاهمال من مسؤوليه ومن أفراد عائلته ومن كل من حوله.. أين هي الرفعة؟ أين هي الأستاذ فلان؟ أين هي السلطة في المنزل وفي الشركة وحتى في المقاهى التي كان يزورها؟
قام من سريره.. تأمل شخصه من رأسه إلى أخمص قدميه.. حدث نفسه:
لم أعد أصلح إلا للموت.. وها أنا سأنتظرها، فلتقدم ومرحبا بها.. ارتمى على سريره ورجع الى نومه والأسى والحزن ينخر دواخله وكل أمله أن ينهي تقاعده برجوع مفاجئ لعمله أو بموت مفاجئة لآخرته.. اختلط عليه الليل بالنهار والحلم بالحقيقة..
نام ولم يعدم خيرا في شركته.. أمله أن تطلبه للعودة إليها. لقد كان معتمدا عليه في وظيفته كل الاعتماد.. كان موظفا محاسبا نزيها. يعرف الشيء الكثير عن عمليات الشركة.. كان يظن أنها لن تستطيع أبدا الاستغناء عن وجوده ولن تجد أبدا من يعوضه في خبرته لها..
رغم العناء والضغط و الروتينية، التي كان يجدهم في تلك الوظيفة، فهو اليوم يرغب في الرجوع اليها ولو بثمن رديء. محاسب خبير لا يضارعه أي موظف، و عامل نزيه لا مثيل له.. كم من محاسبات معقدة وجد لها حلولا وكم من مناقشات زاد بها قيمة مضافة لمنتوجات قسمه.. كان يرى أنه جزء من هذه الشركة وهي جزء منه..
أحس أن مغادرته لن تطاق ولا بد أن يرجعوه لعمله فهو الوحيد من يتقنه...
التحق بقسم الموارد البشرية وبعد استقبال حار ومشاورات هامة طلب منه مدير القسم أن يرجع غدا لمقابلة مدير الشركة.
قال له مديره عند استقباله:
لماذا تريد العودة للعمل وقد تجاوزت الستين واشتعل رأسك شيبا، وجسدك تاق للراحة؟ لم تطلب الرجوع للعمل؟ هلا سافرت أنت وزوجتك لتنعم بوقتك وتستثمرها في ما تحبه. أشياء ربما كنت محروما منها بانشغالك بالعمل؟ أجاب:
ألا ترى يا سيدي أن اجرتي قد تقلصت، ولا زالت حتى الحكومة تطمع فيها لأخذ منها.. إنها لن تعد تكفيني حتى لمتطلبات الحياة من أكل وشرب ودواء، فكيف لي بالسفر؟ قال له:
كان عليك أن تفكر في هذا وتدخر له اثناء عملك. فالتقاعد ليس أمرا مفاجئا ويمكن التخطيط له مسبقا.. قال:
كيف أخطط وعملي يأخذ مني كل وقتي.. وكيف ادخر و كل شيء حولي كان فاغرا فاه ينتظرني يوم أحصل على رصيدي ليلتهمه؟ نظر اليه المدير ثم قال له:
الرجوع الى العمل غير ممكن. فهذا أمر قد حسم.. ونحن نعزك ونرأف بك ولن نكلفك أكثر مما تطيق، وقد انفقت الكثير من جهدك، وأنت شاب، في الرفع من قيمة هذه الشركة.. لقد نظرنا في أمرك وسنعوضك جميلا لن تنساه عن عطف شركتك لك.. أنت قدمت خدمة رائعة لها، فقررنا أن نكافئك ونساعدك على التمتع ولو قليلا بأيام تقاعدك المستحق.. خذ، فهذا مفتاح سيارة رباعية الدفع هدية لك.. وهذا شيك بعشرة آلاف درهم وستتلقى مثله كل ما زرت مدينة وبعثت لنا بتقرير حول تسيير شركاتها.. ستكون لنا مبعوثا خاصا ننتظر قراراتك عن كل مدينة زرتها.. فهذا يهمنا كثيرا لنستثمره في منافسة كل شركة ابرزت لنا خيوط تنظيمها.. نظرا لكفاءتك ولخبرتك فأنت تستطيع هذا وبكل سهولة.. فعلى بركة الله، وسيظل هذا العمل خاصا بك إلى أن تمل منه وحينها أخبرنا بذلك لنرى في أمرك.. وربمابعثناك إلى الخارج بعد زيارة كل مدن بلدك.. فنحن عند رغبتك ولن نفرض عليك عملا أنت مللته..
وهو يغط في نومه و يعيش فرحة الخبر السار بعمله الخاص إذ بالباب يدق.. استيقظ من نومه.. كانت توصيات مديره مجرد وهم في المنام بالنهار سيتحول الى كابوس يقض مضجعه بالليل.. رجع كل أفراد العائلة من اعمالهم ولا واحد منهم فكر فيه..
انتهى نهار المتقاعد ودخل على ليله ليل جديد..
أحمد علي صدقي/المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق