.................
عبده داود
..................
سائق القطار
قصة قصيرة
أيار 2021
كل يوم مساءً، تذهب الزوجة إلى المحطة تنتظر زوجها سائق القطار الذي يصل دائماً على الوقت، تقله بسيارتها وتحضره إلى المنزل.
يستحم الرجل، وبعدها يجلسان إلى طاولة العشاء يتحادثان، وأحيانا يلعبان الشطرنج، أو يتابعان الأخبار أو شريطاً سينمائيا على شاشة التلفاز...
هذان الحبيبان متزوجان منذ خمس سنوات...في عيد زواجهما الأخير، رتبت الزوجة طاولة الطعام، زينتها بالشموع، ووزعت الورود في أنحاء المنزل...وادارت الحاناً موسيقية رومانسية مما أضاف على البيت زهوة وسحراً وجمالاً...
قدم الزوج إلى زوجته هدية بمناسبة عيد زواجهما، إسواره ذهبية...فرحت الزوجة كثيراً بالهدية وتشكرت زوجها على لطفه وذوقه...
كذلك هي أحضرت لزوجها هدية وقالت: لاحظت ذلك اليوم، عندما كنا في السوق إنك حدقت طويلاً إلى هذه السترة، وعرفت إنك احببتها، وقررت حينها أن أهديك إياها أو مثلها...
قال الزوج: صحيح هي رائعة، لكنها غالية الثمن جداً.
قالت الزوجة: فليكن، ولمن نوفر المال يا حبيبي؟ لمن؟
تساقطت دموعها وأجهشت بالبكاء.
الزوج كان يعرف سبب بكاء زوجته المتكرر، كانت تتمنى أن يمنحهما الله خلفة يسعد حياتهما...لكن الطبيب قطع عليهما الرجاء، وقال للأسف، زوجك حالته الصحية لا تسمح.
بكت الزوجة بشجون في عيد زواجهما الأخير. وبكى الزوج ايضاً. وقال أرجوك سامحيني، سأطلب منك معروفاً، أرجوك تتقبلينه، تعرفين كم أنا أحبك، أنت حياتي، لكن أرى الأفضل أن ننفصل عن بعضنا البعض ونحن حبيبين، ونبقى صديقين كأخين، ربما أنت تتزوجين برجل آخر، يستطيع منحك طفلاً أو أكثر... ويحقق لك الذي لا أستطيع أنا أن أمنحك إياه
قالت الزوجة: لماذا تريد أن تحطمني أكثر مما أنا محطمة، أنت حبيبي، وأنت روحي، وبدون وجودك بحياتي أموت كل يوم ألف مرة...
قال الزوج، لا بد من طريقة ما، ربما نتبنى طفلاً؟ أو طفل أنابيب، أو أي طريقة تختارين...
قالت الزوجة ولا بأي طريقة في الدنيا، الله لو أراد أن يهبنا ذرية لأعطانا، لكن مشيئته ألا يعطينا. وعلينا الاذعان وقبول حكمه...
بعد أيام، جاءت الزوجة كالعادة إلى محطة القطار تنتظر زوجها لتحضره إلى المنزل...
تأخر القطار كثيراً وهو عادة لا يتأخر أبداً ويصل دائماً في تمام الوقت...خافت الزوجة وأخذت تصلي أن يصل القطار بأمان.
أخيرا، وصل القطار، لكن الزوج لم يصل، واستغربت وتساءلت أين زوجي؟
جاء معاون زوجها بقيادة القطار، وقال: هذه الرسالة أرسلها لك زوجك، وطلب مني أن اسلمك اياها وهو يهديك حبه، وقال سلامي إلى حبيبتي، وقفز من القطار.
أوقفت القطار، نزلت أنا، ونزل عدد من الركاب نبحث عن زوجك لكننا فشلنا، وكان لا بد لنا من متابعة الرحلة، لأن قطاراً آخر كان يسير خلفنا، يستخدم ذات الخط...
تقول الرسالة: قررت أن أنهي حياتي وأنهي عذابك معي، أتمنى لك زوجاً آخر يستطيع أن يمنحك ما عجزت أنا أن امنحك إياه...
انهارت الزوجة وسقطت مغمى عليها، وعندما استفاقت وجدت نفسها بمكان غريب عرفت إنها في مستشفى...
ذهبت إلى قسم الشرطة وطلبت منهم إيجاد زوجها حياً أو ميتاً...
عجزت الشرطة عن إيجاد الزوج، لا أثر له نهائياً... كلاب الشرطة فقدت أثر الرجل عند شاطئ النهر، القريب من الخط الحديدي فساد الاعتقاد بان الرجل مات في النهر غرقاً كونه مصاباً نتيجة القفز من القطار...
اسدلت الزوجة ستائر بيتها، وأغلقت نوافذ قلبها، ولم تعد الشمس تدخل دارها، وأظلمت حياتها...ولبست ثوب الحزن الأسود...
استمرت الزوجة في الوظيفة، واستمرت بالذهاب إلى محطة القطارات لتبكي هناك وتنتظر عودة زوجها المفقود، عساه يعود يوما وهو يقود القطار...
زميلات الزوجة الحزينة في العمل أصروا أن يأخذوها معهم في رحلة إلى الجبل، حتى يتمتعوا بجمال الثلج الذي يغطي الدنيا التي لبست ثوب عرسها...
الشباب كانوا يتمتعون بالتزحلق من قمة الجبل إلى الوادي...يصعدون ثانية بالتلفريك إلى القمة... يستخدمون زحافات وعصي خاصة بالتزحلق وهم في غاية النشاط والفرح.
صعدت الزوجة مع زميلاتها بالتلفريك، كانت تبتسم ولكنها حزينة مجروحة الفؤاد، لم تغادر بيتها يوماً بعد غياب زوجها.
في مقهى الجبل، حدثت المفاجأة التي لا تصدق، الزوج المفقود سائق القطار، هو النادل الذي يخدم الزبائن في المقهى...
أصيبت الزوجة بصدمة افقدتها الوعي، حملها زوجها وزملاؤها إلى سرير زوجها داخل المقهى، وأخذوا يرشون عليها الماء حتى استفاقت وهي لا تزال بين الغيبوبة وبين اليقظة.
وعندما استفاقت واستعادت وعيها بالكامل، صفعت الزوج صفعة، سمع جبل الثلج صداها...
ثم قبلته بجنون، وصارا يبكيان ويذرفان الدموع.
عادا للمنزل، وفتحا النوافذ، ودخلت الشمس للبيت من جديد...
عاد هو يقود القطار، وعادت هي تنتظره...
والحدث الرائع، تعالج الزوج ورزقهما الله صبياً وبنتا...
كاتب القصة: عبده داود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق