.................
طارق منور
.....................
#رحلة الحروف الحلقة 25
رجع عصام يوم الجمعة مساءا إلى الضلعة وهو. مشحون الهمم مصقول العزائم وكأن ابوه سي منور أعاد ترتيب فكره وضبط له استراتيجية للنصر... لكن ليس النصر على الناس إنما النصر على الفشل و مشتقاته.. ربما لأن تراكم التجارب في الحياة و سقطاتك نعطيك الأفضلية الأفضلية في التفكير.
نزل عصام في مسكيانة و هو محمل برفيس و كسرة و ما طاب من مأكولات أمه فلقد فلقد أصرت على ان ياخذها بعد أن علمت انه سيطيل البقاء في الضلعة... لم يبق لعصام على موقف الضلعة إلا أمتار حتى سمع بوق شاحنته من ورائه...فالتفت فإذا به عمار سنان ابن عم ابيه كان يبتسم معه ويشير له بالصعود.. تنفس الرجل الصعداء هو الذي كان يفكر كيف يمشي بهذه الأثقال.
ركب وسلم على عمار هذا الكهل البشوش دائم القهقهة : اهلا ابن عمي المعلم كيف حالك؟ ما أخبارك وأخبار سي منور؟؟ كان وابلا من الأسئلة و كأنه المطر في غزارته وعصام السمين مازال يتنهد ويلتقط أنفاسه بعد أن ركب... عصام : الحمد لله يا عمار... عمار : وكيف هي والدتك؟ اشتقت كثيرا لاكلها يا رجل فمازلت اتذكر لمستها في اطباق قدمتها لي حين كنت أبيت عندكم ايام الخدمة الوطنية.... عمار كان يراه عصام بوجنتييه المنتفختين و الشوارب الطويلة كان يراه رمز رجل القرية الشهم الجواد رغم ثرثرته.. فحين خرجت الشاحنة مسكيانة اخرج عمار كيس الفواكه : كل يا عصام وخذ ماشئت من الفواكه الطازجة واحك لي... اندهش عصام من مطلبه وامذا احكي لك يا عمار؟؟.. عمار : سمعت في الرومبوان انكم ستدخلون مسابقة هل هذا صحيح؟؟ عصام : ومن أخبرك يا عمار؟؟ فأنا لم أخبر. أحدا و كذلك نورالدين... عمار : هههه في ذلك الرومبوان لا تخف خافية فكل الاخبار و الأحداث تجدها في مقهى ياسين... عصام : صحيح سندخل مسابقة بين المدارس فهل تشجعوننا يا عمار؟؟ قال عصام هذا من باب استشعار ما يخالج عمار في هذا الامر و يعرف رأيه فصاح عمار وهو يزيد في سرعة شاحنته : بالطبع سنكون معكم وانا بالذات سأكون رهن إشاراتكم في أي مساعدة... خاصة للعلم فأنا لم أدرس وأرغب ان أولاد قريتي لا ينحو منحاي أنا و يتعلموا ليغيروا حالنا... اخرج عمار هاته الحروف بنبرة المتحسر النادم على أميته... حديث عمار وعصام كان شيقا و حميميا إستذكر فيه عمار صرامة سي منور حين كان معلما في الضلعة و مدى رعبهم من ملاقاته في الشارع خصوصا وقت المراجعة.. أحس عصام في خضم هكا للحديث انه بدأ يمتزج في أجواء الضلعة كيف لا وقد صار يحكي بنبرة و عفوية أهلها.
توقفت الشاحنة عند مقهى ياسين.. عمار : أتريد ان أوصلك للمدرسة يا عصام؟؟.. عصام : أطنني سأنتظر نورالدين... عمار :إذن ندخل المقهى إن وجدناه أعتقتك و إلا سأوصلك بنفسي إلى دوار البلالطة... دخل الرجل ان فوجدا المقهى خالي على عروشه وياسين مركز يسمع نتائج مقابلات البطولة في الراديو... عمار : ألم يأت نورالدين يا ياسين ؟؟ ياسين : لا يا عمار لم أره اليوم... عمار :إذن هيا يا عصام لأوصلك و أذهب لأنام فأنا مرهق جدا.. وما إن خرج الرجلان حتى ركنت أمامها السيارة الزرقاء لنور الدين... عمار : ها قد جاء نورالدين... سانسحب إذن يا عصام... أعذرني يا صاحبي فأنا مرهق و كما اوصيتك أنا في الخدمة فلا تتردد... سلم عمار على نورالدين استقل شاحنته وانبرى بها كالسهم.
نورالدين : أهلا يا عصام.. هاه كيف كانت عطلتك؟؟ أمازلت منشغلا بالمسابقة؟؟.. ضحك عصام ورد : هههه وهل انت لست منشغلا أليست مدرستك يا نبيه زمانك؟؟ ثم استطرد قائلا : نورالدين لقد حان وقت الجد يجب أن نضع جدولا زمنيا لتحضير التلاميذ دون أن يؤثر ذلك على تحصيلهم العلمي... كان نورالدين يتابع باهتمام و هما يدخلان للمقهى جلسا وطلبت مشروبات حينها اردف نورالدين قائلا : وهل هناك حجم ساعي كبير في برنامجك.؟ عصام : لقد وضع لي ابي جدولا بمعدل ثلاث حصص في الأسبوع أرى أن نبدأ بهذا الإيقاع ثم نقيم آداءهم ونرى بعدها ما يمكن فعله... نورالدين :ما يشغلني اكثر هو العامل النفسي فكأنك تقول للطاهر و تيتية غدا ستصعد في الطائرة سيكون مذهولا يا رجل... عصام : أعلم هذا لكنه قبل أن يركب سأهيأ نفسيته لذلك... قاطعه نورالدين بحمية : يا عصام... يا عصام تلاميذنا أقصى مداهم الرومبوان او السوق الاسبوعي اما البنات فلم تر سوى التبن و أثلام القمح والشعير... عصام : إذن انت محبط قبل أن نبدأ و هذا ليس مفيد لهم... نورالدين : لست محبطا بل قل انا واقعي وأريد أن اضعك في الصورة يا صاحبي... عصام : يا صديقي مادمنا قد رفعنا التحدي فيجب ان نجد الطريقة لتحضيرهم... بكل روية و رزانة سنجد الطريقة حتما... سنجدها.
كانت زقزقات العصافير قد امتزج لحنها مع قرع الفناجين والحاجة غالية تصب القهوة لنورالدين و عصام صباح يوم السبت وهي تدعو لهم وللتلاميذ بالتوفيق بعدها خرجا ليقصدا باب المدرسة فتراءى الطاهر ب لخرج و تيتية قد نزلا لتوها من عربة احد النازلين من عرقوب الباي... كانا متثاقلين عل. غير عادتهما خاصة الطاهر الذي غابت ثرثرته و صار وجهه داكنا.
عصام كان يلاحظ ذلك وهما يقتربان و يسلمان وما هي إلا ساعة حتى كان الستة يدرسون الحساب في قسمهم... و نورالدين قد أخذ كل التدابير لمواجهة شتاء قره لاذع فقد اشترى ما يكفي من المازوت وأشعل مدفأة القسم قبل الدرس.
اما عصام ففي خضم الدرس لاحظ ان حيوية نوارة و نشاط و الآخرون كان باهتا رغم أنها بداية الأسبوع... ربما وقع خبر المسابقة يا رجل؟؟ وادخل المسابقة في الدرس؟؟ والله عجبت لأمرك يا سيدي المعلم ترى و كأنهم جامعيين... نعم وعليهم التفاعل مع كل موقف بسلاسة... أرى أن تكلمهم... نعم كلمهم يا عصام ف الحوار مفتاح كل باب هذ الأمر أفضى بعصام ان يفق أمام السبورة بعد إتمام درس الحساب و يقول : مالكم اليوم وكأني أكلم الحجارة؟؟ اين نشاطكم واين حميتكم في الدراسة؟؟
اجبني يا عيسى... تنحنج عيسى وقال :نننننحن على مايرام يا سيدي... عصام : اجبني يا الطاهر... أما الطاهر فوقف واخذ ينظر إلى زملائه وبقي صامتا... عصام : اجلس يا الطاهر... وانت يا نوارة اجيبيني... أما نوارة فقامت وهي ترتعد وكأنها ماثلة أمام المحكمة :ليس هنالك شيء يا سيدي... هنا بدا عصام يخطو بين الصفوف بعد أن أمرهم بالجلوس فساد صمت رهيب حتى وش شات بولخرد و تمتمات المكي لم يعد لها أثر... اتجه عصام إلى الباب وقف أمام زجاجه ينظر إلى رفرفة العلم في الساحة وكا يقول في قرارة نفسه ان الصمت يعطي للآخر فرصة للتحرر وإخراج مكنونه لم يضع أمله في هذه النظريات الأكاديمية النفسية... لكنه لجلبة كرسي يتحرك فجأة ثم سمع صوتا يقول : نحن يا سيدي خائفون!!! فالتفت فإذا بعيشة هي المتكلم.. اندهش عصام لهذا القول ورد : ولم انتم خائفون يا عيشة؟.. عيشة : نحن خائفون من الفشل... بدى بعد هذا الكلام ان عصام قد امسك طرف الخيط فامرها ان تجلس ثم قال :اجيبوني بصراحة هل انتم خائفون متل عيشة؟؟ ارفعو أيديكم اذا كنتم معها في الرأي... فرفعوا ايديهم الا الطاهر الذي بقي مربعا يديه.. فمسح عصام بعينيه ليجد الطاهر لم يرفع يده فسأل : أراك لم ترفع يدك يا الطاهر.. الست خائفا؟؟.. احمرت وجنتا الطاهر واخذ يحرك اصابعه بعبثية ثم رد بثقة : لست خائفا يا سيدي فأنا اعرف أهل المدينة... ليسوا احسن منا... كان عصام يستمع للطاهر و يمعن في تقاسيم وجهه التي سارت في منحى كلامه الموسوم بثقة عالية... خطى عصام بعد جلوس الطاهر خطواته بين الصفوف وطقطقات لهيب المدفأة يكسر صمت القسم... اخذ مسطرته الصفراء ثم صعد على المصطبة وقابل تلاميذه نظر في عيونهم وقال : ثقة الطاهر و ثباته عل. التحدي جميل لكن الطاهر ليس الفريق... انظروا إلى أنفسكم تأمل ا في وجوه بعضكم يظهر للوهلة الأولى انكم مهزومون منكسرون واذا بقيت هذه الروح فيكم فساخبر السيد المدير اننا لن نشارك و ننسحب قبل بدء المنافسة... هنا تلعثم المكي الذي اندهش لاحت مالية الانسحاب وقال بحسرة ملحوظة : أ ننسحب يا سيدي؟ ؟... أ أ أ ننسحب؟؟ فقاطعه الطاهر بتلقائيته و عنفوانه الصارخ : لا يا سيدي ارجوك... لن ننسحب فصاح فيه عصام عمدا يريد استفزاز المجموعة :بل سننسحب فزملاؤك واهنون مترهلون يرضون بفتات الريف و لا يريدون رؤية المدينة فتكلم تيتية و رد كأنه يدافع عن أهل الريف : لكننا يا سيدي وجدنا أنفسنا في الريف بلا إمكانيات ولا وسائل فقهقه عليه عصام حتى بانت اضراسه ثم اقترب منه و وضع يده على كتفه و قال و هو يحدق في عينيه : خلق المبررات يا تيتية هو أول خطوة في طريق الفشل... ثم رفع راسه ومسح كل الوجوه بناظره : من الان فصاعدا انتم فريق واحد والفريق الواحد يضرب بيد واحدة تفكرون معا و تنفذون معا فلا اريد سماع صوت يغرد خارج السرب.. مفهوم؟؟... فرد الجميع : مفهوم يا سيدي... عصام :يبدوا صوتكم باهت لا يخرج من أفواه جادة... مفهوم؟؟
فعاودوا بقوة : مفهووووم يا سيدي.... بعد هذه الشحنة الخماسية التي بثها عصام في مجموعته اخرجهم و هاهو واقف بجنب نورالدين أمام مكتبه يتناقشان عن برنامج التحضير حتى رن الهاتف في المكتب فهرع نورالدين :الو من معي؟... الو انا عامل المحول يا سيدي ابق معي على ال خط فإنهم يكلموك من مديرية التربية... ألو صباح الخير من معي؟... هنا رد صوت يتذكره نورالدين جيدا : الو.. مدرسة بقلي العيد؟؟ فرد نورالدين و عصام واقف إلى جنبه : نعم يا سيدي و معك مديرها نورالدين... هنا رد الرجل : انا رشيد يا نورالدين فهل تذكرتني؟. تبدلت ملامح نورالدين و مالت إلى الغضب هذا ما لاحظه عصام : نعم تذكرتك و هل يخف القمر!!! هات ماعندك فليس لدي وقت... رشيد :هههههه والله انك كالعراف تقرأ أفكاري.. لقد قلتها نعم واكيد ليس لديكم كلكم الوقت ههههه...هنا ثارت حمية عصام حين علم انه رشيد و خطف السماعة من نورالدين وصاح فيه : ما وراءك يا وجه النحس؟؟ ضحك رشيد عاليا ورد : ها.. معلمنا عصام يا هلا يا هلا... صمت بعدها واستطرد قائلا اسمع لقد قلت لمديرك انه لا وقت لديكم... عصام : ماذا تقصد؟؟ رشيد : منافستكم الأولى يوم الخميس القادم ضد مدرسة مبارك الميلي بمدينة ميلة ستكونون هناك صباحا اما المنافسة فستكون على الواحدة زوالا.... هههه بقي لك اسبوووع فقط يا ابن منور ههههه كان عصام يستشيط غصبا من لهجة رشيد لكنه تحكم في اعصابه و رد عليه ببرودة : هذا جميل... ننتظر كرمكم يا رشيد باشا وترسلوا لنا حافلة لتنقلنا إلى ذات المدرسة... واصل رشيد قههاته الخبيثة و رد ساخرا : ههههه لديك في ذاك الدوار من الحمير ما يكفيك لنقل جيش باكمله.. اسمع لا تطل معي الحديث تحضرون في طائرة.. بارجة او قطار المهم المنافسة تبدأ على الواحدة زوالا يا... استاذ ههههه... فرد عصام بثقة كبيرة : لا تضحك كثيرا فلن يحتمل صدرك المنخور... سنكون في الموعد وسنفوز يا وجه الغراب.. ثم اقفل عليه الخط...
طارق منور

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق