الخميس، 9 يوليو 2020

................
احمد علي صدقي/المغرب
..........



عقول كرهت الطبخ بنكهة التوم.
لكل اختراع دليل (catalogue) يعَرٌِف على كيفية استعماله. دليل نقرأه قبل أي بداية للخوض في التعامل مع الآلة الجديدة التي اصبحت في ملكنا حتى لا نسيئ استعمالها. فهل للانسان كتاب استعمال- يعني دليل- لمعرفة كيف يستعمل ما منحه الله له من أعضاء تزيد وتنقص قوتها بمعرفة كيفية استعمالها و جودة ذلك الاستعمال.
عندما ننظر الى ما يحيط بنا من الناس نجد ان هناك من طور دماغه وهناك من طور عضلاته. فالذي طور دماغه قد اخذ بما قرأه في دليل استعمال الدماغ وانغمس في ميدان القراءة والكتابة وتكوين الذات والذي طور عضلاته قد أخذ بما وجده من تمارين احتواها الدليل فعمل بها واتقنها فطور عضلاته. فهؤلاء وصلوا لما وصلوا إليه بالأخذ بما دلهم عليه الدليل عن كيفية استعمال هذه الاعضاء لتطويرها؟
نرى إذن أن لكل آلة دليل يبرز كيفية استعمالها لكي يتمكن ممتلكها من تحقيق اقصى استفادة منها. ولكي نستفيد اقصى الاستفادة من كل عضو من اعضاءنا فلا بد من البحث عن كيف يستعمل وذلك باتباع ما جاء في الدليل لكي نتعرف عن مصدر الطاقة التي تساعد في نمو ما نطمح لنموه.
إذا كان نظام الإنسان الهظمي يجد لذة في استقبال الطعام فمن الطبيعي أيضا أن يجد نظامه العقلي لذة في استقبال طعام التعلم و المعرفة. ولكن لماذا أكثرنا يكره طعام هذا الميدان؟ ميدان القراءة والكتابة؟ لماذا اكثر الناس يكرهون المدرسة وما تقدمه من تعليم؟ الجواب سهل و منطقي. لانه طبخ كثرت فيه نكهة التوم.
أترى لو أحضر لك أحدهم جميع انواع الأكل وتركك تأكل منها حسب قدرتك وبمتعة. فماذا سيكون موقفك؟ ستكون فرحا مرحا لهذا الحفل غير العادي من الاطعمة. ولكن إذا قال لك أمام نفس الطعام أن معك ساعة لتأكل كل هذه الاطعمة وإن لم تفعل فستنال منه عقابا لعدم قدرتك على التهام كل هذا الطعام. فماذا ستكون ردة فعلك أمام هذا الامر؟ ستصبح قلقا مهموما لا تفكر في لذة الطعام ولكن تفكيرك سينشغل عن الطعام بالتفكير في العقاب رغم انك امام نفس الطعام الذي أسرك و افرحك في المرة الأولى. فبعد ارغامك على الأكل وتهديدك بالعقاب لم تبق عندك لذة للأكل بل اصبح العقاب هو المسيطر عل افكارك. فهكذا هو حال التلميذ مع المدرسة. فإما ان يبتلع ما تقدمه له المدرسة بلا شرط ولا قيد واما أن يعاقب ويوبخ مع أصفار في جيبه أو طرد يلحقه.
تعالوا نتعرف على بعض خاصيات أدمغتنا و نحاول الإستفادة من هذا العضو النبيل والاصيل من اعضاءنا. كل الأعضاء التي منحها الله للبشر لا زالت بنفس الحجم و نفس الهيأة الا الدماغ فقد تغير حجمه و خريطته و مكوناته عند الإنسان تطورا قد يحير من ولج ميدان البحث فيه. لقد تطورت تطورا خارقا للعادة ادمغة اولئك الذين عرفوا كيف تعمل وكيف تخَزِّن المعلومات وكيف تدلي بها عند الحاجة.
وقد اصبح اليوم من مقدور المدرسة البحث عن الطريقة التي اتخذها هؤلاء لتطور عقولهم فتدرسها أو تدرس بكيفيتها؟ فلماذا الكل باق على طريقته القديمة يطبخ للعقول أكلا لا تريده؟
يعجبني تشبيه قام به الدكتور ادريس ابركان ليرفع من قيمة المدرسة والمدرسين. قال ما معناه:
لكي نغير نظرتنا ازاء التعليم والتعلم يمكن للجامعات ان تكون كمطعم للمعرفة تقدم أطباقها بكيفية جميلة تجذب الاذواق. مطعم يكون فيه الأساتذة هم الطباخون لهم كامل حرية التفكير في تهيئ وتنويع اطباقهم ويكون الطلبة كزبناء لهم حرية اختيار ما تحبه أنفسهم من لذيذ هذه الاطباق. (انتهى محتوى كلام الدكتور).
أقول لو كانت المدرسة بهذا الشكل او على هذا النمط لتغيرت نظرة الجميع لها وللتعليم والتعلم وتحول ما نكنه لها من سلب الى أيجاب ومن هظم عسير ومؤلم الى هضم جيد و ذوق. كلنا يعرف ان التغدية القسرية أو التسمين: وكمثال: (le gavage des oies)
فهو مرض نحدثه عند البط مثلا لينتج لنا كبدا ضخما يزن أكثر مما خلقه الله عليه لنأكله أو نبيعه. فكذلك المدرسة اليوم فهي بكثرة موادها وبرامجها المجحفة تغدينا غداء مكرهين عليه. يكبر بطاقته طبعا دماغنا ولكن يكبر مريضا. ولذلك تجد كل من تخرج يشكو المريض، الطبيب والمحامي والأستاذ. الكل كات يتجرع موادا معلبة ويطلب منه بان لا يهظمها بل يحافظ عليها لكي يتقيأها يوم الامتحان كما اعطاها له الاستاذ في القسم حتى ينال منه بذلك نقطة التميز. أما إن ساغها بكيفية أخرى غير التي ابتلعها بها فمصيره نقطة سخيفة او اعادة الإمتحان أو الطرد تحت دريعة أنه غير قادرين على مسايرة المقرر. ولذلك فالكل يتخرج مريضا يشكو عسر الهضم.
المدرسة هدفها اليوم من مقرراتها هو انتاج أعوان لتسيير معامل ومؤسسات أصحاب رؤوس الأموال لأنهم هم من يطبخون البرامج وهم من يمولونها وهم من يسهرون على المنتوج لكي يصنع طبقا لما تحتاجه هذه المعامل وهذه المؤسسات. فالمدرسة لا يهمها أصحاب الإحساسات الرهيفة الذين همهم ابداعات أدبية أوو فلسفة اوغيرها. فهؤلاء عند تخرجهم لن تمكنهم معرفتهم هذه من ولوج ميادين العمل بالرغم ان الكل يعرف ان هؤلاء هم الذين يعتمد عليهم للاحتفاظ على انسانية الانسان وذوقه و محاربة كراهيته و زيغه و انغماسه في بطشه وحروبه. ولكن هل مع هذه البرامج المجحغة نبقى مكتوفي الايدي ولا نفعل شيئا للخروج من هذه الدوامة؟
لنتجرأ قليلا ونبحث خارج السرب عن خاصيات أدمغتنا طامعين أن نصل بها ولو الى القليل لما وصل اليه الآخرون من قوة استيعاب و ادراك و امتلاك معلومات.
لقد وهبنا الله جميعا عقلا بنفس المواصفات فعقلي وعقلك ايها القارئ هو مثل عقول أولئك الذين نعتبرهم اليوم اذكياء. اعلم صديقي أن الذكاء يكتسب وليس وراثي. لقد وهب الله لعقول البشر كلها بدون اسثتناء قدرة خارقة على الحفظ الا من تكاسلت أو أبت. فغقولنا يمكنها أن تحفظ كل ما يأتيها عن طريق الحواس الخمس فالذي نصفه بالذكي هو فقط ذلك الذي عرف كيف يحتفظ على ما استوعبه من المعلومات التي ادخرها والآخر قد تناساها بعض لحظة. من أسباب النسيان التي ان تجنبناها عقلنا ما حفظناه:
- عدم تركيز المعلومة في الذهن. فركز صديقي على ما تقرأه.
- كثرة المعلومات بلا ترتيب. رتب صديقي معلوماتك حتى لا تضيعها. اجعل عقلك كان به رفوف لكل واحد منهم رقما او حرفا يعرفه بين الرفوف الاخرى.
- عدم ربط المعلومات بقرائن تدل عليها. اربط صديقي كل معلومة بشيء يذكرك اياه.
- عدم تثبيت المعلومات بالكتابة والتكرار. اكتب صديقي ما تقرأه فالقراءة صيد والكتابة قيدها
وبالله التوفيق.
احمد علي صدقي/المغرب
من الحجر الصحي بكندا.

المراجع:
Liberez votre cerveau: Idriss Aberkane
la confiance en soi ça se cultive: Marie José Auderset.
Wikipédia.
كيف يعمل العقل: فديوهات من الشبكة العنكبوتية.
ايقظ قدراتك واصنع مستقبلك:ابراهيم الفقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق