................
محمد القصاص
.................

متناقضات الحياة خِيرَةً وحيْرَةْ
بقلم الدكتور محمد القصاص
كلُّ إنسان منا يعيش حياتَهُ بكل حرية ، ولكن في كثير من الأحيان لم يكن لديه أي خيار ليختار نمطا معينا من أنماط الحياة ، إذ أننا كثيرا ما نفكر بأمرٍ ، ولكن ما يحققهُ المرءُ ليس بالضرورة أن يكون كما يريد أو يتمنَّى .
كثيرا من الأشياء الأساسية والجوهرية في حياتي مثلا ، جاءتْ فجائية ، بل كانت محضَ صدفةٍ ، لم أكن أفكرُ بها من قبلُ أبدا ، ولم أسعَ لتحقيقها ، وحينما كانت تتحقَّق كنت أتساءلُ كيف تحققت ، بل أراجعُ حساباتي ، فأحاسبُ نفسي على ما اقترفْت ، وسرعان ما أعزي ذلك إلى خطأ مني أصبته ، لأني أنا المسئول أولا وأخيرا عن كل خطأ يخصني بالذات ، شأني في ذلك شأن أي إنسان آخر يفكر ويعي ما يسعى إليه .
على سبيل المثال .. فجأةً أجدُ نفسي قد اخترتُ صديقا ، معتمدا على أن قلبي قد مال إليه لسبب أو لآخر ، وحينما أظنُّ بأنَّ هذا الصديق هو هبةٌ من الله ، ولا أستطيعُ الاعتراضَ عليه ، إلا أنني مع مرور الأيَّام تتكشفُ لي بواطن الأمور، وتكشف لي عن إنسان آخر مختلفا تماما ، إذ تكشف لي عن عدوٍّ لدود يسكنُ عباءةَ صديقٍ مُخلصٍ ، فيما هو عدوٌّ يُتقنُ صنعة التلون والخداع إلى أبعد حدّ .
الأيامُ وحدها كما عهدناها تكونُ كفيلةً بكشف المستور ، وبيان الزَّيف ، فتبرز إلينا ساعتئذٍ مقدارَ الورطَة التي نعيشُها مع صديق مزيَّف منافق كثير الخداع . ولو أردنا في أية لحظة ، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولو لثانية واحدة ما استطعنا ، إذ أن الماضي لن يعود ، والزَّمن لن يتكرر أبداً ، والأحداثُ تبقى هي الأحداث ، ومن قال بأنَّ اليومَ أشبه الأمس فقد أخطأ ، إذ أن للأمس أحداثهُ وقضاياه ، وأمَّا اليومَ فما عرفنا منه بعد سوى ما عرفنا بحكم انقضاء الزمن الذي انقضى ، وأما ما تبقى فما زال في علم الغيب ولسوف نعرفه تباعا لحظة بلحظة .
لو كنا نعلم الغيبَ ، لما اخترنا من أمورنا إلا ما يُسعدنا ولن نختار أبدا ما يشقينا ، ومن أصدقائنا إلا ما استحق صداقتنا ، ومرور الأيامِ كفيلٌ بأن يُخبرَنا عن خباياها ومحدثاتها ، وأما الغيبيّات فهي بالنسبة لنا عالما مليئا بالمفاجآت لا نعلم عن خباياها شيئا .
دورة الحياة يجب أن تكتمل ، وليس لنا خيار أبدا لا في المعيشة ولا في الزمان ولا المكان ولا في انتقاء الأصدقاء ولا الظروف ولا الأحداث ، ولا حتى أي شيءٍ تتحكم فيه الأقدار .
في الحياة .. نجدُ من بين البشر أناسا كثيرين لا يستحقون أن نُلصِقَ بهم صفةَ الإنسانية ، ولا يَستحقونَ أبدا أنْ يكون لهم حضور في المجتمع ، لأنَّهم بطباع مغايرَةٍ تماما لأنماط الحياة التي أرادها لنا الله ، نجدهم دائما ميالون إلى الفوضى والكذب والمراوغة ، لا ينصاعون لتعاليم ولا لقوانين ولا لأنظمة ، حتى لو كانت من عند الخالق سبحانه وتعالى .
من رأى غير ذلك ، فعليه أن يعلمَ قبل إصدار حكمه علي ، بأنني إنسانٌ عاقل سويّ ، لست متشائماً ولا أهوجا ولا حاقدا ولا كاذبا ولا منافقا ، ولا والله أريدُ بأحدٍ شراً ولا أذى ولا ضررا .
لهذا .. رأيتُ أنَّ خضمِّ الحياةِ مزدحمٌ بالمتناقضات والمصائب ، وأهمها أنماط البشر المختلفة ، والتي لا يمكن أن نجد لها علاجا يخلصها مما هي فيه ، ومن ظن بأنَّ في بعض الأنماط نفعا ولو كان زهيدا فعليه مراجعة حساباته من جديد ثم يعيد الحكم ليخلص إلى الحقيقة ، الأعجبُ من هذا كله ، هو أننا نرى لكل فئات البشر، أنصارا مثلَهم وكأنهم من طينتهم التي جبلوا منها ، فهم يُشجعونهم على أفعالهم كلها بما اشتملت عليه من الباطل والبغي ، ويبدون رضاهم عن كل ما اقترفوه من أفعال مشينة ، لا يمكن للإنسان العاقل أن يتصوَّرَها أو أنْ يُقرِّهُم عليها ، ولا أستطيعُ وأنا في هذا السياق أن أعتبرها مفاهيم خاطئة فحسب ، بل هي جريمة يرتكبونها بحق أنفسهم قبل غيرهم .
يا للعجب ! ، أرى للصوصِ أنصارا وأصدقاءً ، وللكذابين أنصارا وأصدقاءً ، وللمنافقين والدجالين أنصاراً وأصدقاءَ ، وللجبابرة أنصاراً وأصدقاءَ ، وللخائنين والمحتالين أنصاراً وأصدقاءَ .
لكني للأسف لم أجد للمخلصينَ والأوفياءَ والذين لا يَلبسونَ عباءةَ الباطلٍ ولا الزيفٍ ولا الكذبٍ ولا الدناءةٍ ولا قلةِ الحياء ولا لكلِّ ما يجعلُ الإنسانَ في موقفٍ محرج ، هم لا يلبسون عباءةً ولا يَرتدون لباسا يُخفي عيوبهم وحقيقتهم وسوءاتهم أو عن الظهور بأثواب الفضيلة أو يُقصيهم عن سبل الحق قيد أنملة مهما كلفهم ذلك من تضحيات .
الحقيقة دائما واضحة وضوح الشمس ، ولكن من يتعامى عنها حتما سيجد نفسه ملقى في مستنقع تسنه ماؤه ، فلا يمكنه الخلاص منه أبدا .
إنَّ لكل إنسان ميزانُه الخاص ، لكنَّ الميزان الحقيقي السويّ والأساسي هو ميزانٌ لا يحتمل الخطأ في أي كبوة أو نزوة أو فقدان وعي ، والذي يتوجَب علينا جميعا ، أن نجعله هو المقياس الحقيقي لكل منا ، وذلك بأن نظهرَ للعيان على حقيقتنا ولا نُخفي جوانبنا السيئة عن الناس ، من أجل خديعتهم أو استغفالهم ، بل علينا أن نكون صادقين بكل تعاملاتنا وأقوالنا وعلاقاتنا مع أنفسنا أولا ومع الآخرين ثانيا ، لا نخونُ ولا نغدر ولا نسرق ولا نغتاب ولا نؤذي غيرنا قولا ولا عملا .
إن أكثرَ ما يقع بالأخطاء الجسيمة ، الإنسان المتسرِّعْ الذي لا يُعطي نفسه متَّسَعَا من الوقت للتفكير عندما يريد الاختيار ، فيكون هو المتضرر الأكبر في هذه الحالة ، ولدي في ذلك أمثلة كثيرة عن أناس كانوا ضحية اختيارهم الخاطيء ، ألا إنهم أزواجٌ وزوجات ، كانوا غير متكافئين لا بالعلم ولا بالثقافة ولا بالأخلاق ولا بالأدب ولا بالفضيلة ، إذ لم يكن همُّهُم سوى الوصول لمبتغاهم على عجل ودون سابق تفكير ، وبلا تأنٍّ ولا روية ، فحينما يختار الشابُّ على عجلة منه ، وكثيرا ما يخطيء الاختيار ، وتختار الفتاة ، وتخطيء هي أيضا الاختيار ، والسبب هو أنهم لا يفكرون إلا بغتة والمظاهر البراقة تخدعهم دائما ، فلم يفكروا بالمحتوى ، ولا بحقيقة الإنسان ، إذ لم تكن الأخلاق والصفات بمنظورهم إلا شيئا ثانويا ، وسرعان ما تبرزُ الحقيقة فيباغتهم الندم ، حينما لا ينفعهم الندم ، وقد فات الأوان ، ولم يعد بأيديهم مجالا للتراجع عن أخطائهم ، أو معالجة الأمور ، وخيرٌ دليل على ذلك هو أن المحاكم الشرعية مكتظةٌ بحالات الطَّلاق ، وما أكثرها في المجتمعات العربية ، وما أكثر الأسر المدمرة التي تدفع أثمانا باهظة نتيجة هذا التسرع .
إن الصفات الحميدة التي يتمتع بها الإنسان لن تكون خفية إلى الحد الذي يعمي بصيرتنا عنها ، فالإنسان السوي ، الذي يستحق الحياة فعلا ، يجب أن يكون كريما لا بخيلا ، وصادقا لا كاذبا ، وعاقلا لا أحمقا ، ومخلصا لا منافقا ، مظهره يدل على مخبره ، أي جميلا من الخارج ، وجميلا من الباطن .
قد يقول قائل بأنني قد خلطتُ كثيرا من الأوراق في هذا المقال ، لكن الركيزة الأساسية التي أهمتني فجعلتها محورَ مقالي هذا هو الإنسان نفسه ، من حيث جوهره وأخلاقه وصفاته والنفسية التي يتمتع بها ، لأنه حجر الأساس في كل القضايا المجتمعية .
سبحان الله .. لقد منحني الله القدرة على تمييز الأمور ، وألقى في قلبي الكثير من الرَّجاء وفي عقلي الكثير من الفَهم ، وبذلك أصبحتُ بفضل هذا أدركُ كلَّ شيء ، ومع ذلك فلا أنزِّهُ نفسي عن الوقوع بالخطأ ، لأنني أيضا قد عانيتُ من ارتكابي لبعض الأخطاء في محطاتِ حياتي الكثيرة .
من هنا ما لقيتُ بنفسي كلَّ الرضا عن بعض الفئات المنحرفة التي ذكرتُها في معرض مقالي ، وبنفس الوقت ما استطعتُ مجاملةَ أحدٍ ، ولو بكلمة واحدة ، ولم أثني على صاحب خلق ذميم ، مهما كان موقعه أو مكانته في المجتمع ، ولا حتى على صعيد الحياة ، ولن أحتجَّ أبدا على من رضي لنفسه أن يكون مخادعا أو باحثا عن أي منفعة أو متعة في براثن الخبث والكراهية والانحطاط ما دمتُ حيَّا .
والله ولي التوفيق ....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق