الخميس، 6 فبراير 2020

..............
عبدالله محمد حسن.
.............

هروب
******
الجزء الأول
**********

أري أن التفكير في هذا الأمر يبتلع الحياة كما يبتلع الفراغ الوقت والأولى أن تغادره.. أن تحزم نفسك حقائبها وترحل إلي شاطئ آخر.. فما زالت بحار الحياة تضج بموجها الصاخب ومازالت المادة ترسل أشعتها القاتلة نحو دنيانا البريئة.
قد يبدو الأمر خدعة ومن الخدع ما يجري مجري الحقائق زمنا حتى إذا ما أضلّنا أوان الكشف خرجت لنا صورته السيئة تطالبنا بحقها في الوجود ومن ثم تتصارع الأقدار من أجل التوافق مع القادم الجديد. ما أكثر المخدوعين الذين يسيرون معصوبي الإرادة نحو مصائر لا تعرف بحارها الرحمة تتهجى جنون الليل وقسوة الأقدار...
عندما نحب لا نعمل أدني حساب لما تأتي به العواطف من مستجدات. نعطي كل ما نملك مقابل ابتسامات يتبيّن لنا فيما بعد أنها زائفة لا تعرف بحارها الصحو أبدا. الحب الذي يقوم علي تقديس المادة ضعيف ما يلبث أن تنهار كل قيمه وتتحلل كل معانيه دونما أي رفق أو تذكر.
تملقتني بكثير من الوعود في الوقت الذي كنت أسعي فيه لإيجاد حياة سعيدة تجمعنا. أنَّى للفتاة اللعوب أن تعرف معني الأسرة وأن تغلق ملف الماضي ماضي السهرات والشراب وأحضان الرجال.
رأيتها أول ما رأيتها في احدي كازينوهات شارع الهرم حيث تختلط الموسيقى الصاخبة بضحكات السكارى الباحثة عن عالم آخر. عالم يحسن الاعتراف بها بعد أن أخرجها عالمها الأصلي من الحسبان. كنت أري ذلك جيدا في الوجوه الخالية من الطمأنينة والعيون الباحثة عن جسد تسكنه كما تسكن الجنيات حواديت الأطفال.
كانت النظرات لا تفارق خطواتها المتبرجة. كلماتها نابضة بالإغراء تتخللها ضحكاتها الساحرة. ربما حسدتها فينوس ذاتها خوفا على عرش الجمال أن يضيع من بين يديها ليؤول إلي فاتنة قلوب الرجال.
كانت أول مرة أدخل فيها إلي ملهي ليلي بحثا عن نسيان عزيز الحضور. نسيان لتلك الاليه البغيضة.. كانت الأيام قد ألقت بي في طريقها فكنت ضحية من ضحاياها. إن الزواج الروتيني يقتل العواطف ويؤلم النفس. تظل الروح فيه فيه خابية الطموح محطمة الشراع فلا جديد تحت شمس اللا حب.. فكرت طويلا ثم قررت الهروب كنت في أشد الاحتياج إلي شعلة نور تعيد لي بقايا نفسي المتناثرة: إلي إحساس جديد. فجأة وجدتها أمامي.
وجدتها بجمالها الأخاذ.. شعرت وقتها أني أولد من جديد وأن أرض إنسانيتي لم تعد منتهكه لم تعد آله يحركها محرك المادة فالشمس ما زالت مشرقه وما زالت الطيور ترسل النغمة تلو الأخرى لتشجي بها آذان الحياة.
أحببت أن أكون شمسا تتألق في أحضان الربيع لا مجرد ورقة ممزقة ملقاة في عرض الحياة. كانت ابتسامتها تسبق قدومها نحوي وعندما اقتربت أحسست وكأن يدا تمتد من قلبي لتصافح الحياة من جديد. قالت في دلال أنثوي:
-هل تسمح لى بالجلوس؟
-ط... طبعا.
بعدما جلست قالت:
- ألا تطلب لي كأسا؟
لم أكن قد شربت الخمر من قبل. كان الجرسون يتقدم نحونا وكان لابد أن أحسم أمري. قلت لها وأنا أنظر إلى شفتيها الرقيقتين والسيجارة بينهما:
-اطلبي ما تشائين
-وأنت؟
-مثلك.
لست أدري كيف استسلمت لغوايتها ولا كيف ملت إليها بتلك السرعة. علي الرغم من امتلاء الملهى بنساء أخريات إلا إنني لم أجد راحة لنفسي إلا بصحبتها قالت:
-أول مرة؟
قلت وقد تملكني شعور فضولي عجيب:
-وهل يضر جميلتي أن يكون كذلك؟
ابتسمت فأسفرت شمس الصباح عن صفين من لؤلؤ براق ثم قالت:
-يا لك من شاعر.
فجأة وجدتني اسألها.
-هل تؤمنين بالحب من أول نظره؟
ابتسمت ثم قالت:
-مازلنا لا يعرف أحدنا الآخر. إن التعارف يأتى بعد...
صبت كاسين من الكونياك ثم قالت وهي تقدم لي أحدهما ضاحكة:
-في صحتك. أنه أول كأس أشربه في حياتي.
-أول كأس؟..
- ما أكتر الكؤوس التي قدمتها. بعضهم كان لا يقنع بمجرد الكأس بل كان يريد أشياء أخري...
قالت ذلك ثم غمزت بإحدى عيناها فقلت:
-أشياء أخري... أراك تجدين متعة في هذا التنازل المشروط!
قالت وهى تنظر إلىّ عبر دخان سيجارتها:
-إن هذه الحياة تدفعنا أحيانا دفعا للتنازل ما دمنا لا نجد لأحلامنا طريقا تسير عليه
- وأين إصرار البحث عن طريق مغاير؟
ضحكت ضحكة عالية ثم قالت:
- مقاومة؟ لست أول من غربت شمسها فما أكثر الشموس الغاربة في بلادنا. إنك تتحدث كما لو كنت تحيى في مجتمع آخر. مجتمع يحترم الاختلاف وتجد (لا) مكانها فيه بين ركام العادات والتقاليد التي لا تمت بصلة إلى المنطق في أغلب الأحيان بشيء.
قلت نافيا:
-لا .. لا أدرك ذلك جيدا بل لعل سبب حضوري إلي هنا كان غروب شمس أحلامي دون تحقيق ما أصبو إليه من آمال.
قالت وهي تنظر إلي بعينين مسبلتين واضعة احدي يديها أسفل ذقنها وهى تميل ناحيتي:
-آه ما أجمل الحب ولياليه... إنه ليكاد ينسيك جرم الآخرين وثقل ما علي كتفيك من أحمال السنين. لولاه ما كنت أستطيع الحياة...
قلت لها سائلا :
-هل كان دافعك إلي ما أنت عليه الآن مادي أم معنوي؟
ضحكت بعينين دامعتين ثم قالت:
-يا له من سؤال كنت أنتظره منذ ست سنوات هي مدة عملي هنا
بقلم/عبدالله محمد حسن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق