الخميس، 6 فبراير 2020

............
عبدالله محمد حسن
.............

هروب
*******
الجزء الثاني
*********

ثم استدركت قائلة :
-ولكن قل لى. هل أنت محلل نفسي قد تضيف لك إجابتي شيئا عن طبائع البشر؟
قلت معتذرا:
-لا وإنما أردت أنيسا يهون علي وحدة الطريق ومرارة الأيام.
-أنت تحتاج إلي قلب لم يلوث بغزوات البشر. قلب لم يُهدم صرحه ليقام بدلا منه صرح مشروخ قائم علي المنافع وحب الذات وهذا شيء لن تجده لديّ للآسف.
-أتظنين ذلك؟
-بل أعتقد.
-لماذا؟
-خبرت الحياة وعندي ما يكفيني من خبرات للحكم عليها.
-وماذا عن زيادة الخبرات؟
فتحت كيفها وهزت رأسها في شرود وقالت وهي تنظر في اللاشيء :
-منذ أتيت إلي هنا وأنا أجدد العهد بيني وبين نفسي كل يوم علي دفن الماضي.
-مادمت تجددين العهد فأنتي إذا مازلت تذكرين. أليس كذلك؟
لاحظت فراغ كأسي فقالت جاذبة أطراف الحديث نحو شاطئ آخر :
-أتريد كأسا آخر؟
-لا بل أريدك أنتي بماضيك وحاضرك ومستقبلك.
برقت عيناها في ذهول ثم قالت:
-يا لك من طماع
- قلت لكي أني أحتاج مؤنسا يخفف عن كاهلي وطأة الأيام
-وأنا؟
-وأنتي ماذا؟
-من يخفف عني وطأة الماضي؟
بعد برهة قلت:
-أراكي لازلت صامتة. والصمت ليل طويل نهايته الكلام.
-حسنا... من أنا؟ سؤال لم يخطر ببالي إلا ساعة رؤية جثمان أمي محمولا على أكتاف الرجال إلي مثواه الأخير. كنتُ المدللة لأب رحيم لا أذكره قسي مرة علينا أنا وإخوتي ولأم رءوم كانت النهر الذي تصب فيه تجاربي العاطفية. كثيرا ما كانت تسألني عن آخر أخباري... كنت أقص عليها ما جري لي من أحداث ذلك اليوم فإذا بي أجدها معينا لا ينضب أبدا من الخبرات والتجارب الحياتية. كنت أري في حكمة التجارب لديها بشاشة الفجر واخضرار الزرع وصحو صباح ريفنا المشرق الجميل. كان الأمل يدب فيّ دائما. لم أعرف أبدا يأسا يزور ولا حزنا يقيم ولا دمعا يرافق وسادتي. كانت أسرتي تتكون من أمي وثلاث إخوة وأب ينهض مبكرا ليستقل حافلة العمل وكان يكفيه من الدنيا أن يري الابتسامة تعلو شفانا وكان كثير الحمد لله علي منحه هذه الأسرة الصغيرة الرافلة بالبشاشة والحب. واليوم أري أمي مودعة آخذة معها أحلي الذكريات تاركة لنا مر البقاء بعدها. كان رجال القرية ونسائها فلاحين وعمالا وربات بيوت يسيرون وراء نعشها في مشهد مهيب. عاشت فاضلة لا تؤذي أحدا .تمد يدها بالحب والسلام لكل جيرانها. تحلم علي الخاطئة وتنصف المظلومة. اليوم جاء وقت الوداع... لعل أكثر الأوقات ألما هو وقت فراق من نحب. عندها نري الواقع بغير العينين اللتين كنا نراه بها من قبل... ليل طويل عقيم يغزوه الضباب تصطدم من جراء السير فيه الأقدام بصخور صلبة حادة فتنزل الدموع مدرارا وتنزف القلوب. آن الأوان لكي آخذ ناحية من البيت الذي شهد أجمل ذكرياتي معها لأنتحب دما وأتلمس بقلب كسير أماكن الذكرى من حولي... العمر الثاني الذي يأتينا كسلوي ما بعد الفراق كلما أحوجتنا الحاجة إلي من نحب. إلى من رحل عنا وتركنا ننتظر وننظر من خلف ستائر الذكري.
ثم أكملت قائلا :
-هيا... فلنغادر هذا الجو المعبأ برائحة الذكريات.
-هيا
مازال القمر آمرا في سماءه ومازالت النجوم مطيعة لأمر سيدها القمر حين غادرنا الملهى. لاعبت أجسادنا نسائم الليل المرحة في شيء من العبث الجميل وحب الحياة.
قالت لي
-إلي أين نمضي؟
-لست أدري ولكن من الممكن أن نفكر سويا في الطريق فما أكثر الطرق الباحثة عن سائرين مثلنا. طرق لا تحتاج لبحث طويل لأن لها نداءا محسوسا يحسه كل واحد منا.
-إذا تأتي معى. شقتى التي أسكن فيها مع ذكرياتي وأشجاني وحيدة مثلي في المقطم هل توافق؟
-ولم لا.. هيا.
-هزت كتفيها ثم قالت:
-كان مجرد سؤال لا غير.
-هيا بنا.
أوقفنا احدي سيارات الأجرة. لم يمضي من الوقت الكثير أو هكذا كان إحساسنا حتي وجدنا أنفسنا أمام تلك العمارة. كان السكون هو الشاهد الوحيد علينا ونحن نصعد سويا درج السلم إلي الطابق الثالث. وقفنا أمام شقتها إلى أن أخرجت مفتاحها. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل بقليل وكانت الشقة غارقة في الظلام وكأنها تمد لنا يدا بصداقة أبدية.
أحسست وأنا أتجاوز الباب وكأني أدخل إلى قلبها لأزيل عنه بقايا الوحدة والألم. عندما ضغطت علي أحد الأزرار شعرت أن قلبها المشحون بالوحدة والألم يمتلئ بأضواء الأنس والانبساط. أحسست بابتسامة تنقلها لي أرجاء الشقة وكان هناك ثمة إحساس متبادل بين إحساسي النابض وإحساسها الصامت الباكي.
قالت لي صديقتي:
-لحظة... سأعود.
وقبل أن تغيب لبعض شؤونها أدارت التلفاز وأعطتني ريموته لينقل إلي تلك الأحداث المتضاربة لذلك العالم الصغير الذي وُجدنا لنعيش فيه كما يعيش فينا.. عالم الوطن الثورة. الموت. الشجب والإدانة. التربص الأفعواني للانقضاض عليه حال انشغاله بقضاياه الداخلية.
مازالت تلك العبارات الرافضة لواقعها، مثلي، تصك سمعي.
-يسقط يسقط حكم العسكر
السلطة
أطفال الشوارع
دعارة الفكر الأحادي
عيش... حرية... عدالة اجتماعيه
إخوان
سلفيه
إيران أخري
مخطط الإبادةالسوري
سقوط القذافي
البحث عن الحرية قبل الهوية
مذبحة بور سعيد... من المسؤول؟
عصيان مدني.
تمويل أجنبي.... الإفراج عن المتهميين ؟
الاستيطان ... القدس.. وثيقة برئت؟
فتن طائفية. تقسيم...
جاءت صديقتي لتأخذني من هذا العالم/الوطن حتي أنني كثيرا ما سألت نفسي..
- لماذا لا يأتي الوطن ليقاسمنا الوحدة والضياع؟ أليس وحيدا هو أيضا بعدما أطلت المصالح الفئوية برأسها البغيض؟ وأصبحت التورتة مهيأة كل التهيئة للاقتسام. الربيع/الخريف العربي. تمنيات من قلوب حاقدة بدوام التمزق والانهيار اقتسامها..
-قالت:
-أراك متوحدا.
قلت:
- لست متوحدا وإنما وحيد رغم كثرة الوجوه التي أعرفها.
- ألا يكفيك وجودي؟
قلت:
-يكفينى.
وأغلقت التلفاز
بقلم /عبدالله محمد حسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق